خَارِجٌ مِنْ إِجْمَاعِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"قَالَ بِشْرٌ: مَا ادَّعَيْتُ إِلَّا نَصَّ التَّنْزِيلِ . قَالَ:"قُلْتُ لَهُ: هَاتِ ، فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِكَ إِنْ كَانَ مَعَكَ تَنْزِيلٌ وَمَنْ خَالَفَ فَكَافِرٌ"قَالَ: فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ: أَوَلَا تَقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا نَصَّ الْقُرْآنِ ؟ قُلْتُ: لَا ، لِأَنَّهُ إِذَا تَأَوَّلَ فَلِخَصْمِهِ أَنْ يَتَأَوَّلَ مَعَهُ . قَالَ: فَقَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ: وَمِنْ أَيْنَ لَكَ مِنَ الْقُرْآنِ أَنَّ هَذَا الْحَصِيرَ مَخْلُوقٌ ؟ قُلْتُ: هُوَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ خَلَقَ الْأَنْعَامَ وَخَلَقَ الشَّجَرَةَ ، وَهَذَا الْحَصِيرُ مِنَ الشَّجَرِ وَمِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ ، فَمَعَكَ أَنْتَ شَيْءٌ تُخْبِرُنِي أَنَّ الْقُرْآنَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ ؟ . قَالَ بِشْرٌ: مَعِيَ نَصُّ الْقُرْآنِ . قَالَ: فَقُلْتُ: فَكَيْفَ لَمْ تَأْتِنِي بِهِ أَوَّلًا حِينَ قُلْتُ لَكَ: ارْمِنِي بِأَحَدَّ سَهْمٍ فِي كِنَانَتِكَ ؟ قَالَ: فَقَالَ نَعَمْ ، قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا قُلْتُ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ الْقُرْآنَ عَرَبِيًّا وَكُلُّ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ الْقُرْآنَ عَرَبِيًّا ، فَقَدْ قَالُوا مَعَكَ بِالتَّنْزِيلِ وَلَمْ يُخَالِفُوا التَّنْزِيلَ ، وَأَنْتَ إِنَّمَا كَفَّرْتَ الْقَوْمَ بِمَعْنَى جَعَلَ لِأَنَّ مَعْنَى جَعَلَ عِنْدَكَ مَعْنَى خَلَقَ . قَالَ بِشْرٌ: مَا بَيْنَ جَعَلَ وَخَلَقَ فَرْقٌ . قُلْتُ لِبِشْرٍ: أَخْبِرْنِي عَنْ جَعَلَ عِنْدَكَ حَرْفٌ مُحْكَمٌ لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنَى خَلَقَ ؟ قَالَ: نَعَمْ ، لَا يُعْقَلُ جَعَلَ فِي لُغَةٍ مِنَ اللُّغَاتِ إِلَّا مَعْنَى خَلَقَ . قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ، مَعْنَاهُ مَعْنَى خَلَقْتُمْ ؟ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكِمْ ، مَعْنَاهُ: لَا تَخْلُقُوا ؟ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا . مَعْنَاهُ: لَا تَخْلُقُوا ؟ . قَالَ: فَقَالَ لِيَ الْمَأْمُونُ: فَمَا مَعْنَاهُ ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا رَجُلٌ جَاهِلٌ بِلُغَةِ قَوْمِكَ ، إِنَّ جَعَلَ فِي كِتَابِ اللَّهِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: مَعْنَى خَلَقَ ، وَمَعْنَى تَصْيِيرِ غَيْرِ خَلَقَ ، فَلَمَّا كَانَ خَلَقَ حَرْفًا مُحْكَمًا لَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ صَنَاعَةِ الْعِبَادِ ، لَمْ يَتَعَبَّدِ اللَّهُ الْخَلْقَ بِهِ ، فَيَقُولُ: اخْلُقُوا أَوْ لَا تَخْلُقُوا ، إِذْ لَمْ يَكُنِ الْخَلْقُ مِنْ صَنَاعَةِ الْمَخْلُوقِينَ ، وَلَمَّا كَانَ جَعَلَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: مَعْنَى خَلَقَ وَهُوَ مَعْنًى تَفَرَّدَ اللَّهُ بِهِ دُونَ الْخَلْقِ ، وَيَحْتَمِلُ مَعْنَى غَيْرِ الْخَلْقِ ، خَاطَبَ الْخَلْقِ بِالْأَمْرِ بِهِ وَالنَّهْيِ عَنْهِ ، أَفَقَالَ: اجْعَلُوا وَلَا تَجْعَلُوا ؟ أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ"