أصل اللغة، نعم أنه مساق للأول دون الثاني، وهذا يقتضي أن يكون الأول مفهوما بطريق العبارة والثاني مفهوما بطريق الإشارة لا غير.
فإن قيل: ما دامت الآية واردة في الأول فقط فهذا يعني أن الثاني غير مراد مطلقا، أجيب بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا محل اتفاق، فلا داعي لمخالفته هنا مادام القياس داخلا في الاعتبار في أصل اللغة.
فإذا سلمنا أن الاعتبار هو الاتعاظ فقط، فإننا نقول: القياس ثابت بهذه الآية الكريمة بطريق دلالة النص، وبيانه أن الله قد ذكر هلاك قوم بسبب اغترارهم بقولهم، ثم أمر بالاعتبار بحالهم ليكف الآخرون عن مثل هذا السبب، فلا يحصل لهم ما حصل لأولئك، فكان معنى ذلك أن الله وضح لنا أن العلم بالعلة موجب للعلم بالحكم، وهذا هو القياس، فكان الاتعاظ المراد من الاعتبار شاملا المعنى النفسي الذي هو الامتناع عن العود، وللمعنى الحسي الذي هو بمعنى انصراف الذهن إلى مثل ذلك الحكم عند وجود العلة نفسها، وعلى ذلك كان القياس نوعا من أنواع الاتعاظ، فكان مشمولا ومدلولا عليه بالنص.
ب- حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - ، حيث روي عنه أنه بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن وقال له: بم تقضي؟ قال بما في كتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله تعالي؟ قال: أقضي بما قضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال: فإن لم تجد فيما قضي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: أجتهد برأيي، قال - صلى الله عليه وسلم -: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله.
وجه الاستدلال: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أقر معاذا على الاجتهاد برأيه فيما لا نص فيه، والقياس نوع اجتهاد، فكان مقرا به من قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وما كان مقرا به منه - صلى الله عليه وسلم - فهو سنة، والسنة حجة كما تقدم.
ثم إن حديث معاذ هذا مشهور، والمشهور يفيد طمأنينة الظن كما تقدم في باب السنة الشريفة، فكان صالحا لإثبات القياس لذلك.
فإن قيل: الاجتهاد الذي أقر الرسول - صلى الله عليه وسلم - معاذا عليه قد يكون بغير القياس الذي نحن بصدده، فقد يكون المراد به إعمال العقل في الاستنباط من النصوص الخفية الدلالة،