فهرس الكتاب
الْبِدَع ، فَيُحْتَاج حِينَئِذٍ إِلَى تَجْدِيد الدِّين ، فَيَأْتِي اللَّه تَعَالَى مِنْ الْخَلْق بِعِوَضٍ مِنْ السَّلَف إِمَّا وَاحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا اِنْتَهَى . وَقَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاة: أَيْ يُبَيِّن السُّنَّة مِنْ الْبِدْعَة وَيُكْثِر الْعِلْم وَيُعِزّ أَهْله وَيَقْمَع الْبِدْعَة وَيَكْسِر أَهْلهَا . اِنْتَهَى .
فَظَهَرَ أَنَّ الْمُجَدِّد لَا يَكُون إِلَّا مَنْ كَانَ عَالِمًا بِالْعُلُومِ الدِّينِيَّة وَمَعَ ذَلِكَ مَنْ كَانَ عَزْمه وَهِمَّته آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار إِحْيَاء السُّنَن وَنَشْرهَا وَنَصْر صَاحِبهَا وَإِمَاتَة الْبِدَع وَمُحْدَثَات الْأُمُور وَمَحْوهَا وَكَسْر أَهْلهَا بِاللِّسَانِ أَوْ تَصْنِيف الْكُتُب وَالتَّدْرِيس أَوْ غَيْر ذَلِكَ وَمَنْ لَا يَكُون كَذَلِكَ لَا يَكُون مُجَدِّدًا الْبَتَّة وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْعُلُومِ مَشْهُورًا بَيْن النَّاس ، مَرْجِعًا لَهُمْ . فَالْعَجَب كُلّ الْعَجَب مِنْ صَاحِب جَامِع الْأُصُول أَنَّهُ عَدَّ أَبَا جَعْفَر الْإِمَامِيّ الشِّيعِيّ وَالْمُرْتَضَى أَخَا الرِّضَا الْإِمَامِيّ الشِّيعِيّ مِنْ الْمُجَدِّدِينَ حَيْثُ قَالَ الْحَدِيث إِشَارَة إِلَى جَمَاعَة مِنْ الْأَكَابِر: عَلَى رَأْس كُلّ مِائَة ، فَفِي رَأْس الْأُولَى عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَعَلَى الثَّالِثَة تَقْتَدِر وَأَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيُّ الْحَنَفِيّ وَأَبُو جَعْفَر الْإِمَامِيّ وَأَبُو الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَعَلَى الرَّابِعَة: الْقَادِر بِاَللَّهِ وَأَبُو حَامِد الْإِسْفَرَايِينِي وَأَبُو بَكْر مُحَمَّد الْخُوَارِزْمِيّ الْحَنَفِيّ وَالْمُرْتَضَى أَخُو الرِّضَا الْإِمَامِيّ ... إِلَخْ . وَقَدْ ذَكَرَهُ الْعَلَّامَة مُحَمَّد طَاهِر فِي مَجْمَع الْبِحَار وَلَمْ يَتَعَرَّض بِذِكْرِ مُسَامَحَته وَلَمْ يُنَبِّه عَلَى خَطَئِهِ . وَلَا شُبْهَة فِي أَنَّ عَدّهمَا مِنْ الْمُجَدِّدِينَ خَطَأ فَاحِش وَغَلَط بَيِّن لِأَنَّ عُلَمَاء الشِّيعَة وَإِنْ وَصَلُوا إِلَى مَرْتَبَة الِاجْتِهَاد وَبَلَغُوا أَقْصَى مَرَاتِب مِنْ أَنْوَاع الْعُلُوم وَاشْتَهَرُوا غَايَة الِاشْتِهَار ، لَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَأْهِلُونَ الْمُجَدِّدِيَّة . كَيْف وَهُمْ يُخَرِّبُونَ الدِّين فَكَيْف يُجَدِّدُونَ ، وَيُمِيتُونَ السُّنَن فَكَيْف يُحْيُونَهَا ، وَيُرَوِّجُونَ الْبِدَع فَكَيْف يَمْحُونَهَا ، وَلَيْسُوا إِلَّا مِنْ الْغَالِينَ الْمُبْطِلِينَ الْجَاهِلِينَ ، وَجُلّ صِنَاعَتهمْ التَّحْرِيف وَالِانْتِحَال وَالتَّأْوِيل ، لَا تَجْدِيد الدِّين وَلَا إِحْيَاء مَا اِنْدَرَسَ مِنْ الْعَمَل بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّة . هَدَاهُمْ اللَّه تَعَالَى إِلَى سَوَاء السَّبِيل .
( تَنْبِيه آخَر ) . وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَم أَنْ يَكُون عَلَى رَأْس كُلّ مِائَة سَنَة مُجَدِّد وَاحِد فَقَطْ ، بَلْ يُمْكِن أَنْ يَكُون أَكْثَر مِنْ وَاحِد . قَالَ الْحَافِظ اِبْن حَجَر فِي تَوَالِي التَّأْسِيس: حَمَلَ بَعْض الْأَئِمَّة مَنْ فِي الْحَدِيث عَلَى أَكْثَر مِنْ الْوَاحِد ، وَهُوَ مُمْكِن بِالنِّسْبَةِ لِلَفْظِ الْحَدِيث