وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب"الصواعق المرسلة": أنه ذهب جماعة من أصحاب أحمد وغيرهم إلى تكفير من يجحد ما ثبت بخبر الواحد العدل . قال:"والتكفير مذهب إسحاق بن راهويه". انتهى [1] .
قلت:
أجمعَ العلماءُ من أهل الحديث ومن يعتدُّ به من الفقهاء والأصوليين على أنَّ الحديث الصحيح حجةٌ يجبُ العملُ به , سواءٌ كان راويهِ واحدًا لم يروه غيرُه , أو رواهُ معه راو آخر, أو اشتُهرَ بروايةِ ثلاثةٍ فأكثرَ ولم يتواترْ .
وهذا أمرُ بدَهيٌّ في نظرنا تقضي به الفطرةُ الإنسانيةُ ، لا يحتاجُ إلى كثيرٍ منَ الاستدلالات والبراهين، فما منْ إنسانٍ إلا وهو يُعوِّلُ في إبرامِ شؤونهِ في العملِ أو التجارةِ أو الدراسةِ أو غيرِها على ما يخبرُه بهِ واحدٌ موثوقٌ منَ الناسِ حيثُ يقعُ في نفسهِ صِدْقُ المخبرِ ، ويغلبُ على احتمال الغلط أو احتمالِ الكذبِ، بل إنَّ الشؤون الكبرى في مصير الأمم يعتمدُ فيها على أخبارِ الآحاد الثقاتِ كالسفراءِ أو المبعوثينَ من قبلِ الحكوماتِ، فالتوقفُ عن قبولِ خبرِ الواحدِ يُفضي إلى تعطيلِ مصالحِ الدين والدنيا.
ومعَ اتفاقِ العلماءِ على وجوبِ العملِ بالحديثِ الصحيحِ الأحاديِّ في أحكامِ الحلالِ والحرامِ فقدِ اختلفوا في إثباتِ العقائدَ ووجوبِها بهِ. [2]
والذي تبين لدي أن كلَّ حديثٍ صحيحٍ لذاته صححه عالمٌ معتبرٌ من علماء الحديث ، ولم يطعن به أحدٌ من علماء الجرح والتعديل ، سواء أكان في الصحيحين أم في غيرهما فهو حديث مقطوعٌ بصحته .
وكلُّ حديث صحَّ لغيره فما دون أو صححه قومٌ وضعفه آخرون ، فلا نقطع بصحته ، بل يفيدُ غلبة الظنِّ .هذا وأصول الدين لا تثبت إلا بالمتواتر من القرآن والسنة ،
(1) - إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة - (1 / 12)
(2) انظر كتابي المفصل في علوم الحديث 1/79 و منهج النقد في علوم الحديث - (ج 1 / ص 245)