ورابعا: إن المجتمع الإنسانى جسد واحد ، وما يصيب بعضه من فساد وانحلال ، لا بد أن يتأثر به المجتمع كله ، كما يتأثر الجسد بفساد عضو من أعضائه وإنه كما يعمل المجتمع على حماية نفسه من الأمراض المعدية والآفات الجائحة ، فيحشد كل قواه لدفع هذا الوباء ، بتطبيب المرضى أو عزلهم ـ كذلك ينبغى أن يعمل على إخماد نار الفتن المشبوبة فيه ، والضرب على أيدى مثيريها. وإلا امتد إليهم لهيبها ، والتهمتهم نارها ..
فحيث كان شر ، فإنه لا يصيب من تلبّس به وحده ، بل لا بد أن ينضح منه شى ء على من حوله .. فكان من الحكمة دفع الشر ومحاربته في أي مكان يطل بوجهه منه [1] .
وقال الزحيلي:"أي احذروا الوقوع في الفتنة وهي الاختبار والمحنة التي يعمّ فيها البلاء المسيء وغيره ، ولا يخص بها أهل المعاصي ، ولا من ارتكب الذنب ، بل يعمهما ، حيث لم تدفع وترفع. وبعبارة أخرى: واحذروا فتنة ، إن نزلت بكم ، لم تقتصر على الظالمين خاصة ، بل تتعدى إليكم جميعا ، وتصل إلى الصالح والطالح."
وكانت فتنة عثمان أول الفتن التي ما زال أثرها قائما في التاريخ ، وكانت سببا في اقتتال المسلمين في وقعة الجمل وصفين ومقتل الحسين وغيرها ، وفي ظهور البدع والمنكرات ، واستمرت الفتن بين المسلمين ، وأخذت أشكالا متعددة ، من قومية ، وتفرق في الدين ، وانقسام إلى أحزاب دينية ، وأحزاب سياسية.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ، أي أنه تعالى شديد العذاب في الدنيا والآخرة لمن عصاه من الأمم والأفراد ، وخالف هدي دينه وشرعه.
وهذا التحذير عام يعمّ الصحابة وغيرهم ، وإن كان الخطاب لهم أولا.
ومقتضى التحذير منع ما يؤدي إلى العذاب العام ، والعمل على إزالته ورفعه إذا وقع ، كإهمال الجهاد ، وشيوع المنكر ، وافتراق الكلمة ، والالتواء في الأمر ما رواه
(1) - التفسير القرآني للقرآن ، ج 5 ، ص: 590