فهرس الكتاب
, وَأُحَرِّجُ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ لَمَا كَفَانِي الْيَوْمَ نَفْسَهُ"فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ مَظْلُومٌ , وَقَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْقَتْلِ , فَكَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا عَنْهُ , وَإِنْ كَانَ قَدْ مَنَعَهُمْ , قِيلَ لَهُ: مَا أَحْسَنْتَ الْقَوْلَ ؛ لِأَنَّكَ تَكَلَّمَتْ بِغَيْرِ تَمْيِيزٍ , فَإِنْ قَالَ: وَلِمَ ؟ قِيلَ: لِأَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا أَصْحَابَ طَاعَةٍ وَفَّقَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِلصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ , فَقَدْ فَعَلُوا مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِنْكَارِ بِقُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ , وَعَرَضُوا أَنْفُسَهُمْ لِنُصْرَتِهِ عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِمْ , فَلَمَّا مَنَعَهُمْ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ نُصْرَتِهِ , عَلِمُوا أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لَهُ , وَأَنَّهُمْ إِنْ خَالَفُوهُ لَمْ يَسْعَهُمْ ذَلِكَ , وَكَانَ الْحَقُّ عِنْدَهُمْ فِيمَا رَآهُ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْهُمْ , فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَلِمَ مَنَعَهُمْ عُثْمَانُ مِنْ نُصْرَتِهِ وَهُوَ مَظْلُومٌ , وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ قِتَالَهُمْ عَنْهُ نَهْى عَنْ مُنْكَرٍ , وَإِقَامَةُ حَقٍّ يُقِيمُونَهُ ؟ قِيلَ لَهُ: وَهَذَا أَيْضًا غَفْلَةٌ مِنْكَ , فَإِنْ قَالَ: وَكَيْفَ ؟ قِيلَ لَهُ: مَنْعُهُ إِيَّاهُمْ عَنْ نُصْرَتِهِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا , كُلُّهَا مَحْمُودَةٌ: أَحَدُهَا , عِلْمُهُ بِأَنَّهُ مَقْتُولٌ مَظْلُومٌ لَا شَكَّ فِيهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَعْلَمَهُ أَنَّكَ تُقْتَلُ مَظْلُومًا , فَاصْبِرْ فَقَالَ: أَصْبِرُ , فَلَمَّا أَحَاطُوا بِهِ عَلِمَ أَنَّهُ مَقْتُولٌ , وَأَنَّ الَّذِي قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ حَقٌّ كَمَا قَالَ لَابُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ , ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ وَعَدَهُ مِنْ نَفْسِهِ الصَّبْرَ , فَصَبَرَ كَمَا وَعَدَ , وَكَانَ عِنْدَهُ أَنْ مَنْ طَلَبَ الِانْتِصَارَ لِنَفْسِهِ وَالذَّبِّ عَنْهَا فَلَيْسَ هَذَا بِصَابِرٍ , إِذْ وَعَدَ مِنْ نَفْسِهِ الصَّبْرَ فَهَذَا وَجْهٌ , وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ فِيَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قِلَّةُ عَدَدٍ , وَأَنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ , فَلَوْ أَذِنَ لَهُمْ بِالْحَرْبِ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَتْلَفَ مِنْ صَحَابَةِ نَبِيِّهِ بِسَبَبِهِ , فَوَقَاهُمْ بِنَفْسِهِ إِشْفَاقًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُ رَاعٍ وَالرَّاعِي وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَحُوطَ رَعِيَّتَهُ بِكُلِّ مَا أَمْكَنَهُ , وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ مَقْتُولٌ فَصَانَهُمْ بِنَفْسِهِ , وَهَذَا وَجْهٌ , وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهَا فِتْنَةٌ , وَأَنَّ الْفِتْنَةَ إِذَا سُلَّ فِيهَا السَّيْفُ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يُقْتَلَ فِيهَا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ ؛ فَلَمْ يَخْتَرْ لِأَصْحَابِهِ أَنْ يَسُلُّوا فِي الْفِتْنَةِ السَّيْفَ , وَهَذَا أَيْضًا إِشْفَاقٌ مِنْهُ عَلَيْهِمْ , فِتْنَةٌ تَعُمُّ , وَتَذْهَبُ فِيهَا الْأَمْوَالُ , وَتُهْتَكُ فِيهَا الْحَرِيمَ , فَصَانَهُمْ عَنْ جَمِيعِ هَذَا , وَوَجْهٌ آخَرُ , يَحْتَمِلُ أَنْ يَصْبِرَ عَنِ الِانْتِصَارِ لِتَكُونَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ شُهُودًا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ , وَخَالَفَ أَمَرَهُ , وَسَفَكَ دَمَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ , لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ"