وقال الحافظ ابن حجر في"فتح الباري":"في هذا الحديث وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة،والمنع من الخروج عليه،ولو جار في حكمه، وأنه لا ينخلع بالفسق". انتهى. [1]
وفي فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري:
"أولا: من موضوعات الدعوة: التحذير من الغدر:"
الغدر صفة قبيحة ينبغي للداعية أن يحذر الناس عنه؛ لقبحه، وعظم إثمه؛ وقد بين - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذه الأحاديث: أن لكل غادر علامة ترفع له يوم القيامة أمام الأشهاد فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان، والغادر هو الذي يواعد على أمر ولا يفي به، قال الإمام النووي رحمه الله:"وفي هذه الأحاديث بيان غلظ تحريم الغدر لا سيما من صاحب الولاية العامة؛ لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير" [2] فيتأكد عليه أن يفي بعهوده ولا يغدر فيها، سواء كان ذلك لرعيته أو للكفار وغيرهم، وإذا أراد قتال قوم من الكفار وقد عاهدهم، فإذا انقضى عهده أو خاف غدرهم نبذ إليهم عهدهم: { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ } (سورة الأنفال الآية: 58) ، وينبغي للرعية أن لا يشقوا على إمامهم العصا، ولا يتعرضوا لما يسبب الفتن [3] ، وقد بين الإمام القرطبي رحمه الله: أن قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: « لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له » ، جاء خطاب بنحو ما كانت تفعل العرب، وذلك أنهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر راية سوداء ليشهروا به الوفي، فيعظموه ويمدحوه، والغادر فيذموه ويلوموه بغدره، قال"وقد شاهدنا هذا فيهم عادة مستمرة إلى اليوم" [4] فمقتضى هذا الحديث الغادر يفعل به يوم القيامة مثل ذلك؛ ليشتهر بالخيانة والغدر، فيذمه أهل الموقف وقد ثبت عن النبي
(1) - فتح الباري لابن حجر - (13 / 70)
(2) - انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 12 / 287.
(3) - انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 12 / 288.
(4) - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 3 / 520.