فَقَالَ لِي: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَدْ رَأَيْتَ مُحَمَّدَ بْنَ أَسْلَمَ وَصَحِبْتَ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهُوَيْهِ فَأَيُّ الرَّجُلَيْنِ أَبْصَرُ عِنْدَكَ وَأَرْجَحُ ؟ فَقُلْتُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا مَا لَكَ إِذَا ذَكَرْتَ مُحَمَّدَ بْنَ أَسْلَمَ تَذْكُرُ مَعَهُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهُوَيْهِ وَغَيْرَهُ ، قَدْ صَحِبْتُ وَكِيعًا سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرًا وَصَحِبْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ وَلَمْ أَرَ يَوْمًا وَاحِدًا لَهُمْ مِنَ الشَّمَائِلِ مَا لِمُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ . ثُمَّ قُلْتُ: إِنَّمَا يُعْرَفُ مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ ، رَجُلٌ بَصِيرٌ بِالْعِلْمِ قَدْ عَرَفَ الْحَدِيثَ ، يَنْظُرُ فِي شَمَائِلِ هَذَا الرَّجُلِ فَيَعْلَمُ بِأَيِّ حَدِيثٍ يَعْمَلُ بِهِ هَذَا الرَّجُلُ الْيَوْمَ ، غَرِيبٌ فِي هَذَا الْخُلُقِ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ بِمَا عَمِلَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ، وَهُوَ عِنْدَ النَّاسِ مُنْكَرٌ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا أَحَدًا يَعْمَلُ بِهِ فَلَا يَعْرِفُهُ إِلَّا بَصِيرٌ . فَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى صَدَقْتَ هُوَ كَمَا تَقُولُ فَمَنْ مِثْلُهُ الْيَوْمَ . قَالَ: وَسَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهُوَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ رَوَى فِي تَرْجِيعِ الْأَذَانِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً ثُمَّ رَوَى حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَقَدْ أَمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ النَّاسَ بِالتَّرْجِيعِ فَقُلْتُمْ هَذَا مُبْتَدِعٌ ، عَامَّةُ أَهْلِ هَذِهِ الْكُورَةِ غَوْغَاءُ ، ثُمَّ قَالَ: احْذَرُوا الْغَوْغَاءَ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ قَتَلَتْهُمُ الْغَوْغَاءُ ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا يَعْقُوبَ ، حَدَّثْتَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا فِي التَّرْجِيعِ فَمَا لَكَ لَا تَأْمُرْ مُؤَذِّنَكَ ؟ قَالَ: يَا مُغَفَّلُ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قُلْتُ فِي الْغَوْغَاءِ لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ قَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ ، فَأَمَّا أَمْرُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يَتَمَادَى كُلَّمَا أَخَذَ فِي شَيْءٍ تَمَّ لَهُ وَنَحْنُ عِنْدَهُ نَمْلَأُ بُطُونًا لَا يَتِمُّ لَنَا أَمَرٌ نَأْخُذُ فِيهِ نَحْنُ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ مِثْلَ السُّرَّاقِ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَكَتَبَ إِلَيَّ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْهِ بِحَالِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ . قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ وَكَانَ رَحَلَ إِلَى صَدَقَةَ الْمَاوَرْدِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِصَدَقَةَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ يَقُولُ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي ، فَقُلْتُ: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَسْلَمَ قَدْ وَضَعَ فِيهِ كِتَابًا . قَالَ: هُوَ مَعَكُمْ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ ، قَالَ: ائْتِنِي بِهِ . فَأَتَيْتُهُ بِهِ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ لَنَا: وَيْحَكُمْ كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا صَبِيٌّ فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ إِذَا هُوَ قَدْ فَاقَ أَصْحَابَنَا ، قَدْ كُنْتُ قَبْلَ الْيَوْمِ لَوْ ضُرِبْتُ سَوْطَيْنِ لَقُلْتُ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَوْ ضُرِبَ عُنُقِي لَمْ أَقُلْهُ . قَالَ: وَكُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ بِنَيْسَابُورَ بَعْدَمَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ بِيَوْمٍ ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ فِيهِمْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ مَشَايِخُ وَشَبَابٌ ، وَقَالُوا: