فهرس الكتاب

الصفحة 657 من 1215

جِئْنَا مِنْ عِنْدِ أَبِي النَّضْرِ وَهُوَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ ، وَيَقُولُ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَجْتَمِعَ فَنُعَزِّيَ بَعْضَنَا بِمَوْتِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي لَمْ نَعْرِفْ مِنْ عَهْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَجُلًا مِثْلَهُ . وَقِيلَ: لِأَحْمَدَ بْنَ نَصْرٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ أَلْفُ أَلْفٍ مِنَ النَّاسِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَةُ أَلْفٍ مِنَ النَّاسِ ، يَقُولُ: صَالِحُهُمْ وَطَالِحُهُمْ لَمْ نَعْرِفْ لِهَذَا الرَّجُلِ نَظِيرًا ، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ: يَا قَوْمُ أَصْلِحُوا سَرَائِرَكُمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ ، أَلَا تَرَوْنَ رَجُلًا دَخَلَ بَيْتَهُ بِطُوسٍ فَأَصْلَحَ سِرَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ، ثُمَّ نَقَلَهُ اللَّهُ إِلَيْنَا فَأَصْلَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِائَةَ أَلْفٍ مِنَ النَّاسِ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، وَدَخَلْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِنَيْسَابُورَ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ تَعَالَى أُبَشِّرُكَ بِمَا صَنَعُ اللَّهُ بِأَخِيكَ مِنَ الْخَيْرِ ، قَدْ نَزَلَ بِيَ الْمَوْتُ ، وَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي دِرْهَمٌ يُحَاسِبُنِي اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ ضَعْفِي وَأَنِّي لَا أُطِيقُ الْحِسَابَ ، فَلَمْ يَدَعْ عِنْدِي شَيْئًا يُحَاسِبُنِي بِهِ اللَّهُ . ثُمَّ قَالَ: أَغْلِقِ الْبَابَ وَلَا تَأْذَنْ لِأَحَدٍ عَلَيَّ حَتَّى أَمُوتَ وَتَدْفِنُونَ كُتُبِي ، وَاعْلَمْ أَنِّي أَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيَا وَلَيْسَ أَدَعُ مِيرَاثًا غَيْرَ كُتُبِي وَكِسَائِي وَلِبَدِي وَإِنَائِي الَّذِي أَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَكُتُبِي هَذِهِ فَلَا تُكَلِّفُوا النَّاسَ مُؤْنَةً . وَكَانَتْ مَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا نَحْوُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا ، فَقَالَ: هَذَا لِابْنِي أَهْدَاهُ إِلَيْهِ قَرِيبٌ لَهُ ، وَلَا أَعْلَمُ شَيْئًا أُحِلَّ لِي مِنْهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ". وَقَالَ:"أَطْيَبُ مَا يَأْكُلُ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ". فَكَفِّنُونِي فِيهَا: فَإِنْ أَصَبْتُمْ إِلَيَّ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتِي فَلَا تَشْتَرُوا بِخَمْسَةَ عَشَرَ وَأَبْسِطُوا عَلَى جِنَازَتِي لبدي وَغَطُّوا عَلَى جِنَازَتِي كِسَائِي ، وَلَا تُكَلِّفُوا أَحَدًا لِيَأْتِيَ جِنَازَتِي وَتَصَدَّقُوا بِإِنَائِي أَعْطُوهُ مِسْكِينًا يَتَوَضَّأُ مِنْهُ . ثُمَّ مَاتَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ . فَعَجِبْتُ أَنْ قَالَ لِي ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، فَلَمَّا أُخْرِجَتْ جِنَازَتُهُ جَعَلَ النِّسَاءُ يَقُلْنَ مِنْ فَوْقِ السُّطُوحِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَذَا الْعَالِمُ الَّذِي خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا وَهَذَا مِيرَاثُهُ الَّذِي عَلَى جِنَازَتِهِ لَيْسَ مِثْلُ عُلَمَائِنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ عَبِيدُ بُطُونِهِمْ ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ لِلْعِلْمِ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَيَشْتَرِي الضِّيَاعَ وَيَسْتَفِيدُ الْمَالَ . وَقَالَ لِي مُحَمَّدٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَنَا مَعَكُ ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَعِي فِي قَمِيصِي مَنْ يَشْهَدُ عَلَيَّ فَكَيْفَ يَنْبَغِي لِي أَنْ آتِيَ الذُّنُوبَ إِنَّمَا يَعْمَلُ الذُّنُوبَ جَاهِلٌ يَنْظُرُ فَلَا يَرَى أَحَدًا فَيَقُولُ: لَيْسَ يَرَانِي أَحَدٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت