كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً"قَالَ: كُلُّهَا فِي الْجَنَّةِ إِلَّا وَاحِدَةً لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَدْ تَبَيَّنَ عَلَيْنَا فِي خُشُوعِنَا وَهُمُومِنَا وَجَمِيعِ أُمُورِنَا خَوْفًا أَنْ نَكُونَ مِنْ تِلْكَ الْوَاحِدَةِ فَكَيْفَ وَقَدْ قَالَ:"كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً"قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: صَحِبْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَسْلَمَ نَيِّفًا وَعِشْرِينَ سَنَةً لَمْ أَرَهُ يُصَلِّي حَيْثُ أَرَاهُ رَكْعَتَيْنِ مِنَ التَّطَوُّعِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَا يُسَبِّحُ وَلَا يَقْرَأُ حَيْثُ أَرَاهُ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِسِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ مِنِّي . وَسَمِعْتُهُ يَحْلِفُ كَذَا كَذَا مَرَّةً أَنْ لَوْ قَدَرْتُ أَنْ أَتَطَوَّعَ حَيْثُ لَا يَرَانِي مَلَكَايَ لَفَعَلْتُ وَلَكِنْ لَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ خَوْفًا مِنَ الرِّيَاءِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"الْيَسِيرُ مِنَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ"ثُمَّ أَخَذَ حَجَرًا صَغِيرًا فَوَضَعَهُ عَلَى كَفِّهِ ، فَقَالَ: أَلَيْسَ هَذَا حَجَرًا ؟ قُلْتُ: بَلَى ، قَالَ: أَوَ لَيْسَ هَذَا الْجَبَلُ حَجَرًا ؟ قُلْتُ: بَلَى ، قَالَ: فَالِاسْمُ يَقَعُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ أَنَّهُ حَجَرٌ فَكَذَلِكَ الرِّيَاءُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ شِرْكٌ . وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَدْخُلُ بَيْتًا وَيُغْلِقُ بَابَهُ وَيُدْخِلُ مَعَهُ كُوزًا مِنْ مَاءٍ ، فَلَمْ أَدْرِ مَا يَصْنَعُ حَتَّى سَمِعْتُ ابْنًا لَهُ صَغِيرًا يَبْكِي بُكَاءَهُ فَنَهَتْهُ أُمُّهُ فَقُلْتُ لَهَا: مَا هَذَا الْبُكَاءُ ؟ فَقَالَتْ: إِنَّ أَبَا الْحَسَنِ يَدْخُلُ هَذَا الْبَيْتَ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَبْكِي فَيَسْمَعُهُ الصَّبِيُّ فَيُحَاكِيهِ ، فَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ غَسَلَ وَجْهَهُ وَاكْتَحَلَ فَلَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ الْبُكَاءِ ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَصِلُ قَوْمًا وَيُعْطِيهِمْ وَيَكْسُوهُمْ فَيَبْعَثُ إِلَيْهِمْ وَيَقُولُ لِلرَّسُولِ: انْظُرْ أَنْ لَا يَعْلَمُوا مَنْ بَعَثَهُ إِلَيْهِمْ فَيَأْتِيهِمْ هُوَ بِاللَّيْلِ فَيَذْهَبُ بِهِ إِلَيْهِمْ وَيُخْفِي نَفْسَهُ فَرُبَّمَا بَلَتْ ثِيَابُهُمْ وَنَفِدَ مَا عِنْدَهُمْ وَلَا يَدْرُونَ مَنِ الَّذِي أَعْطَاهُمْ ، وَلَا أَعْلَمُ مُنْذُ صَحِبْتُهُ وَصَلَ أَحَدًا بِأَقَلَّ مِنْ مِائَةِ دِرْهَمٍ إِلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَهُ ذَلِكَ . وَأَكَلْتُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ذَاتَ يَوْمٍ ثَرِيدًا فِي بَرِيدٍ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ مَا لَكَ تَأْتِينِي بِثَرِيدٍ بَارِدٍ هَكَذَا تَأْكُلُهُ ؟ قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِنِّي إِنَّمَا طَلَبْتُ الْعِلْمَ لِأَعَمَلَ بِهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَيْسَ فِي الْحَارِّ بَرَكَةٌ"وَكُنْتُ أَخْبِزُ لَهُ فَمَا نَخَلْتُ لَهُ دَقِيقًا قَطُّ إِلَّا أَنْ أَغْضَبَهُ وَكَانَ يَقُولُ اشْتَرِ لِي شَعِيرًا أَسْوَدَ قَدْ تَرَكَهُ النَّاسُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِلَى الْكَنِيفِ وَلَا تَشْتَرِ لِي إِلَّا مَا يَكْفِينِي يَوْمًا بِيَوْمٍ . وَأَرَدْتُ أَنْ أَخْرَجَ إِلَى بَعْضِ الْقُرَى وَلَا أَرْجِعُ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَاشْتَرَيْتُ لَهُ عِدْلَ شَعِيرٍ أَبْيَضَ جَيِّدًا فَنَقَّيْتُهُ وَطَحَنْتُهُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِهِ فَقُلْتُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرَجَ إِلَى بَعْضِ الْقُرَى فَأَغِيبَ فِيهِ وَاشْتَرَيْتُ لَكَ هَذَا الطَّعَامَ لِتَأْكُلَ مِنْهُ حَتَّى أَرْجِعَ . فَقَالَ لِي:"