فهرس الكتاب

الصفحة 714 من 1215

مُحَافِظًا عَلَيْهِ . فَكَرِهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْهُ تَرْكَ الدُّعَاءِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ فَأَبَى ، وَبَقِيَ عَلَى عَادَتِهِ فِي تَرْكِهِ فِي أَعْقَابِ الصَّلَوَاتِ ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي صَلَّى ذَلِكَ الرَّجُلُ الْعَتَمَةَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَلَمَّا انْقَضَتْ وَخَرَجَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى دَارِهِ قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ: قَدْ قُلْنَا لِهَذَا الرَّجُلِ يَدْعُو إِثْرَ الصَّلَوَاتِ فَأَبَى ، فَإِذَا كَانَ فِي غَدْوَةِ غَدٍ أَضْرِبُ رَقَبَتَهُ بِهَذَا السَّيْفِ وَأَشَارَ فِي يَدِهِ فَخَافُوا عَلَى ابْنِ مُجَاهِدٍ مِنْ قَوْلِهِ لَمَّا عَلِمُوا مِنْهُ ، فَرَجَعَتِ الْجَمَاعَةُ بِجُمْلَتِهَا إِلَى دَارِ ابْنِ مُجَاهِدٍ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ ؟ فَقَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدْ خِفْنَا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ ، وَقَدِ اشْتَدَّ الْآنَ غَضَبُهُ عَلَيْكَ فِي تَرْكِكَ الدُّعَاءَ . فَقَالَ لَهُمْ: لَا أَخْرُجُ عَنْ عَادَتِي ، فَأَخْبَرُوهُ بِالْقِصَّةِ . فَقَالَ لَهُمْ - وَهُوَ مُبْتَسِمٌ -: انْصَرِفُوا وَلَا تَخَافُوا فَهُوَ الَّذِي تُضْرَبُ رَقَبَتُهُ فِي غَدْوَةِ غَدٍ بِذَلِكَ السَّيْفِ بِحَوْلِ اللَّهِ ، وَدَخَلَ دَارَهُ ، وَانْصَرَفَتِ الْجَمَاعَةُ عَلَى ذُعْرٍ مِنْ قَوْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ . فَلَمَّا كَانَ مَعَ الصُّبْحِ وَصَلَ إِلَى دَارِ الرَّجُلِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَمَنْ عَلِمَ حَالَ الْبَارِحَةِ حَتَّى وَصَلُوا إِلَيْهِ إِلَى دَارِ الْإِمَامَةِ بِبَابِ جَوْهَرٍ مِنْ إِشْبِيلِيَّةَ ، وَهُنَاكَ أَمَرَ بِضَرْبِ رَقَبَتِهِ بِسَيْفِهِ ، فَكَانَ ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلْإِجَابَةِ وَإِثْبَاتًا لِلْكَرَامَةِ .

وَقَدْ رَوَى بَعْضُ الْإِشْبِيلِييِّنَ الْحِكَايَةَ بِمَعْنَى هَذِهِ لَكِنْ عَلَى نَحْوٍ آخَرَ .

وَلَمَّا رَدَّ وَلَدُ ابْنِ الصَّقْرِ عَلَى الْخَطِيبِ فِي خُطْبَتِهِ وَذَلِكَ حِينَ فَاهَ بِاسْمِ الْمَهْدِيِّ وَعِصْمَتِهِ ، أَرَادَ الْمُرْتَضَى مِنْ ذُرِّيَّةِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ - وَهُوَ إِذْ ذَاكَ خَلِيفَةٌ - أَنْ يَسْجُنَهُ عَلَى قَوْلِهِ ، فَأَبَى الْأَشْيَاخُ وَالْوُزَرَاءُ مِنْ فِرْقَةِ الْمُوَحِّدِينَ إِلَّا قَتْلَهُ ، فَغَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِ فَقَتَلُوهُ خَوْفًا أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ غَيْرُهُ . فَتَخْتَلُّ عَلَيْهِمُ الْقَاعِدَةُ الَّتِي بَنَوْا دِينَهُمْ عَلَيْهَا .

وَقَدْ لَا تَبْلُغُ الْبِدْعَةُ فِي الْإِشْرَابِ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ فَلَا يَتَّفِقُ الْخِلَافُ فِيهَا بِمَا يُؤَدِّي إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ .

فَهَذِهِ الْأَمْثِلَةُ بَيَّنَتْ بِالْوَاقِعِ مُرَادَ الْحَدِيثِ - عَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ - فَإِنَّ أَخْبَارَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا تَكُونُ ابْتِنَاءً عَلَى وَفْقِ مُخْبِرِهِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ أَلْبَتَّةَ .

وَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّفْسِيرِ اسْتِقْرَاءُ أَحْوَالِ الْخَلْقِ مِنِ انْقِسَامِهَا إِلَى الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى وَالْأَوْسَطِ ، كَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ ، وَالشَّجَاعَةِ وَالْجُبْنِ ، وَالْعَدْلِ وَالْجَوْرِ ، وَالْجُودِ وَالْبُخْلِ ، وَالْغِنَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت