فهرس الكتاب
وَالْفَقْرِ ، وَالْعِزِّ وَالذُّلِّ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْأَوْصَافِ، فَإِنَّهَا تَتَرَدَّدُ مَا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ: فَعَالِمٌ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الْعِلْمِ ، وَآخَرُ فِي أَدْنَى دَرَجَاتِهِ، وَجَاهِلٌ كَذَلِكَ ، وَشُجَاعٌ كَذَلِكَ ، إِلَى سَائِرِهَا .
فَكَذَلِكَ سُقُوطُ الْبِدَعِ بِالنُّفُوسِ ، إِلَّا أَنَّ فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا فَائِدَةً أُخْرَى ، وَهِيَ التَّحْذِيرُ مِنْ مُقَارَبَتِهَا وَمُقَارَبَةِ أَصْحَابِهَا وَهِيَ:
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ أَنَّ دَاءَ الْكَلْبِ فِيهِ مَا يُشْبِهُ الْعَدْوَى وَكَذَلِكَ الْبِدَعُ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ دَاءَ الْكَلْبِ فِيهِ مَا يُشْبِهُ الْعَدْوَى ، فَإِنَّ أَصْلَ الْكَلْبِ وَاقِعٌ بِالْكَلْبِ . ثُمَّ إِذَا عَضَّ ذَلِكَ الْكَلْبُ أَحَدًا صَارَ مِثْلَهُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِانْفِصَالِ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ إِلَّا بِالْهَلَكَةِ ، فَكَذَلِكَ الْمُبْتَدِعُ إِذَا أَوْرَدَ عَلَى أَحَدٍ رَأْيَهُ وَإِشْكَالَهُ فَقَلَّمَا يَسْلَمُ مِنْ غَائِلَتِهِ ، بَلْ إِمَّا أَنْ يَقَعَ مَعَهُ فِي مَذْهَبِهِ وَيَصِيرَ مِنْ شِيعَتِهِ ، وَإِمَّا أَنْ يُثْبِتَ فِي قَلْبِهِ شَكًّا يَطْمَعُ فِي الِانْفِصَالِ عَنْهُ فَلَا يَقْدِرُ .
هَذَا بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَعَاصِي فَإِنَّ صَاحِبَهَا لَا يُضَارُّهُ وَلَا يُدْخِلُهُ فِيهَا غَالِبًا إِلَّا مَعَ طُولِ الصُّحْبَةِ وَالْأُنْسِ بِهِ ، وَالِاعْتِيَادِ لِحُضُورِ مَعْصِيَتِهِ . وَقَدْ أَتَى فِي الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى . فَإِنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ نَهَوْا عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ وَمُكَالَمَتِهِمْ وَكَلَامِ مُكَالِمِهِمْ ، وَأَغْلَظُوا فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ فِي الْبَابِ الثَّانِي آثَارٌ جَمَّةٌ .
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُكْرِمَ دِينَهُ فَلْيَعْتَزِلْ مُخَالَطَةَ الشَّيْطَانِ وَمُجَالَسَةَ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُمْ أَلْصَقُ مِنَ الْجَرَبِ .
وَعَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ قَالَ: قَدِمَ غَيْلَانُ مَكَّةَ يُجَاوِرُ بِهَا ، فَأَتَى غَيْلَانُ مُجَاهِدًا فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَجَّاجِ ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَنْهَى النَّاسَ عَنِّي وَتَذْكُرُنِي ، وَأَنَّهُ بَلَغَكَ عَنِّي شَيْءٌ لَا أَقُولُهُ ؟ إِنَّمَا أَقُولُ كَذَا ، فَجَاءَ بِشَيْءٍ لَا يُنْكَرُ ، فَلَمَّا قَامَ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا تُجَالِسُوهُ فَإِنَّهُ قَدَرِيٌّ . قَالَ حُمَيْدٌ: فَإِنِّي لَمَّا كُنْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فِي الطَّوَافِ لَحِقَنِي غَيْلَانُ مِنْ خَلْفِي يَجْذِبُ رِدَائِي ، فَالْتَفَتُّ فَقَالَ: كَيْفَ يَقُولُ مُجَاهِدٌ خَرِفَ وَكَذَا ؟ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَمَشَى مَعِي ، فَبَصُرَ بِي مُجَاهِدٌ مَعَهُ ، فَأَتَيْتُهُ فَجَعَلْتُ أُكَلِّمُهُ فَلَا يَرُدُّ عَلَيَّ ، وَأَسْأَلُهُ فَلَا يُجِيبُنِي فَقَالَ - فَغَدَوْتُ إِلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا الْحَجَّاجِ ! أَبَلَغَكَ عَنِّي شَيْءٌ ؟ مَا أَحْدَثْتُ حَدَثًا ،