فِيهِمْ ، فَطَلَبَ النَّاسُ الرَّجُلَ فَلَمْ يَجِدُوهُ ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: غَرَّنَا ابْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ إِخْوَانِنَا حَتَّى قَتَلْنَاهُمْ ، قَالَ: فَدَمَعَتْ عَيْنُ عَلِيٍّ ، فَدَعَا بِدَابَّتِهِ فَرَكِبَهَا فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى وَهْدَةً فِيهَا قَتْلَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ،فَجَعَلَ يُجَرُّ بِأَرْجُلِهِمْ حَتَّى وُجِدَ الرَّجُلُ تَحْتَهُمْ فَأَخْبَرُوهُ ، فَقَالَ عَلِيٌّ: اللَّهُ أَكْبَرُ ، وَفَرِحَ وَفَرِحَ النَّاسُ وَرَجَعُوا ، وَقَالَ عَلِيٌّ: لا أَغْزُوا الْعَامَ ، وَرَجَعَ إِلَى الْكُوفَةِ ، وَقُتِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَاسْتُخْلِفَ حَسَنٌ ، وَسَارَ سِيرَةَ أَبِيهِ ثُمَّ بَعَثَ بِالْبَيْعَةِ إِلَى مُعَاوِيَةَ"مسند أبي يعلى الموصلي [1] "
(1) - مسند أبي يعلى الموصلي (473) صحيح
قلت: ورفع المصاحف لم يكن خدعة من أهل الشام ، لأن هذا فهم منه ، وإلا فهو لم يكن بين أهل الشام عندما رفعوا المصاحف ، بل يجب تحكيم القرآن الكريم في كل شئون حياتنا ، قال تعالى: { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [النساء: 65]
يُقْسِمُ اللهُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ المُقَدَّسَةِ عَلَى أنَّ أولَئِكَ الذِينَ رَغِبُوا عَنِ التَّحَاكُمِ إلى الرَّسُولِ ، وَمَنْ مَاثَلَهُمْ مِنَ المُنَافِقِينَ ، لاَ يُؤْمِنُونَ إيمَانًا حَقًّا ( أَيْ إيمَانَ إِذْعَانٍ وَانْقِيَادٍ ) إلاّ إذَا كَمُلَتْ لَهُمْ ثَلاثُ خِصَالٍ:
-أنْ يُحَكِّمُوا الرَّسُولَ فِي القَضَايَا التِي يَخْتَصِمُونَ فِيهَا ، وَلاَ يَبِينُ لَهُمْ فِيهَا وَجْهُ الحَقِّ .
-ألاّ يَجِدُوا ضِيقًا وَحَرَجًا مِمَّا يَحْكُمُ بِهِ ، وَأنْ تُذْعِنَ نُفُوسُهُمْ لِقَضَائِهِ ، إذْعَانًا تَامًَا دُونَ امِتْعَاضٍ مِنْ قَبُولِهِ وَالعَمَلِ بِهِ ، لأَنَّهُ الحَقُّ وَفِيهِ الخَيْرُ .
-أنْ يَنْقَادُوا وَيُسَلِّمُوا لِذَلِكَ الحُكْمِ ، مُوقِنِينَ بِصِدْقِ الرَّسُولِ فِي حُكْمِهِ ، وَبِعِصْمَتِهِ عَنِ الخَطَأ .
إن الدين منهج حياة . منهج حياة واقعية . بتشكيلاتها وتنظيماتها ، وأوضاعها ، وقيمها ، وأخلاقها وآدابها . وعباداتها وشعائرها كذلك .
وهذا كله يقضي أن يكون للرسالة سلطان . سلطان يحقق المنهج ، وتخضع له النفوس خضوع طاعة وتنفيذ . . والله أرسل رسله ليطاعوا - بإذنه وفي حدود شرعه - في تحقيق منهج الدين . منهج الله الذي أراده لتصريف هذه الحياة . وما من رسول إلا أرسله الله ، ليطاع ، بإذن الله . فتكون طاعته طاعة لله . . ولم يرسل الرسل لمجرد التأثر الوجداني ، والشعائر التعبدية . . فهذا وهم في فهم الدين؛ لا يستقيم مع حكمة الله من إرسال الرسل . وهي إقامة منهج معين للحياة ، في واقع الحياة . . وإلا فما أهون دنيا كل وظيفة الرسول فيها أن يقف واعظًا . لا يعنيه إلا أن يقول كلمته ويمضي . يستهتر بها المستهترون ، ويبتذلها المبتذلون!!!
ومن هنا كان تاريخ الإسلام كما كان . . كان دعوة وبلاغًا . ونظامًا وحكمًا . وخلافة بعد ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقوم بقوة الشريعة والنظام ، على تنفيذ الشريعة والنظام . لتحقيق الطاعة الدائمة للرسول . وتحقيق إرادة الله من إرسال الرسول . وليست هنالك صورة أخرى يقال لها: الإسلام . أو يقال لها: الدين . إلا أن تكون طاعة للرسول ، محققة في وضع وفي تنظيم . ثم تختلف أشكال هذا الوضع ما تختلف؛ ويبقى أصلها الثابت . وحقيقتها التي لا توجد بغيرها . . استسلام لمنهج الله ، وتحقيق لمنهج رسول الله . وتحاكم إلى شريعة الله . وطاعة للرسول فيما بلغ عن الله ، وإفراد لله - سبحانه - بالألوهية ( شهادة أن لا إله إلا الله ) ومن ثم إفراده بالحاكمية التي تجعل التشريع ابتداء حقًا لله ، لا يشاركه فيه سواه .وعدم احتكام إلى الطاغوت . في كثير ولا قليل . والرجوع إلى الله والرسول ، فيما لم يرد فيه نص من القضايا المستجدة ، والأحوال الطارئه؛ حين تختلف فيه العقول . .
فهذه حقيقة كلية من حقائق الإسلام؛ جاءت في صورة قسم مؤكد؛ مطلقة من كل قيد . . وليس هناك مجال للوهم أو الإيهام بأن تحكيم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو تحكيم شخصه . إنما هو تحكيم شريعته ومنهجه . وإلا لم يبق لشريعة الله وسنة رسوله مكان بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - وذلك قول أشد المرتدين ارتدادًا على عهد أبي بكر - رضي الله عنه - وهو الذي قاتلهم عليه قتال المرتدين . بل قاتلهم على ما هو دونه بكثير . وهو مجرد عدم الطاعة لله ورسوله ، في حكم الزكاة؛ وعدم قبول حكم رسول الله فيها ، بعد الوفاة!
وإذا كان يكفي لإثبات « الإسلام » أن يتحاكم الناس إلى شريعة الله وحكم رسوله . . فانه لا يكفي في « الإيمان » هذا ، ما لم يصحبه الرضى النفسي ، والقبول القلبي ، وإسلام القلب والجنان ، في اطمئنان!
هذا هو الإسلام .. وهذا هو الإيمان . . فلتنظر نفس أين هي من الإسلام؛ وأين هي من الإيمان! قبل ادعاء الإسلام وادعاء الإيمان!-في ظلال القرآن - (2 / 169)