الإِْمَامُ الَّذِي يُعْتَبَرُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ بَغْيًا:
مَنِ اتَّفَقَ ، الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِمَامَتِهِ وَبَيْعَتِهِ ، وَثَبَتَتْ إِمَامَتُهُ ، وَجَبَتْ طَاعَتُهُ وَمَعُونَتُهُ ، وَمِثْلُهُ مَنْ تَثْبُتُ إِمَامَتُهُ بِعَهْدِ إِمَامٍ قَبْلَهُ إِلَيْهِ ؛ إِذِ الإِْمَامُ يَصِيرُ إِمَامًا بِالْمُبَايَعَةِ أَوْ بِالاِسْتِخْلاَفِ مِمَّنْ قَبْلَهُ . وَلَوْ خَرَجَ رَجُلٌ عَلَى الإِْمَامِ فَقَهَرَهُ ،وَغَلَبَ النَّاسَ بِسَيْفِهِ ،حَتَّى أَذْعَنُوا لَهُ وَتَابَعُوهُ ، صَارَ إِمَامًا يَحْرُمُ قِتَالُهُ وَالْخُرُوجُ عَلَيْهِ [1] .
أَمَارَاتُ الْبَغْيِ:
إِذَا تَكَلَّمَ جَمَاعَةٌ فِي الْخُرُوجِ عَلَى الإِْمَامِ وَمُخَالَفَةِ أَوَامِرِهِ ، وَأَظْهَرُوا الاِمْتِنَاعَ ، وَكَانُوا مُتَحَيِّزِينَ مُتَهَيِّئِينَ لِقَصْدِ الْقِتَال ، لِخَلْعِ الإِْمَامِ وَطَلَبِ الإِْمْرَةِ لَهُمْ ، وَكَانَ لَهُمْ تَأْوِيلٌ يُبَرِّرُ فِي نَظَرِهِمْ مَسْلَكَهُمْ دُونَ الْمُقَاتَلَةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ أَمَارَةَ بَغْيِهِمْ .
وَيَنْبَغِي إِذَا مَا بَلَغَ الإِْمَامَ أَمْرُهُمْ ، وَأَنَّهُمْ يَشْتَرُونَ السِّلاَحَ وَيَتَأَهَّبُونَ لِلْقِتَال ، أَنْ يَأْخُذَهُمْ وَيَحْبِسَهُمْ حَتَّى يُقْلِعُوا عَنْ ذَلِكَ ، وَيُحْدِثُوا تَوْبَةً ؛ دَفْعًا لِلشَّرِّ بِقَدْرِ الإِْمْكَانِ ؛ لأَِنَّهُ لَوِ انْتَظَرَ أَنْ يَبْدَءُوهُ بِالْقِتَال ، فَرُبَّمَا لاَ يُمْكِنُهُ الدَّفْعُ ، لِتَقَوِّي شَوْكَتِهِمْ وَتَكَثُّرِ جَمْعِهِمْ ، خُصُوصًا وَالْفِتْنَةُ يُسْرِعُ إِلَيْهَا أَهْل الْفَسَادِ . [2]
وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي بَدْئِهِمْ بِالْقِتَال عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ .
وَكَذَلِكَ فَإِنَّ مُخَالَفَتَهُمْ لِلإِْمَامِ لِمَنْعِ حَقِّ اللَّهِ ، أَوْ لآِدَمِيٍّ كَزَكَاةٍ ، وَكَأَدَاءِ مَا عَلَيْهِمْ مِمَّا جَبَوْهُ لِبَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ كَخَرَاجِ الأَْرْضِ ، مَعَ التَّحَيُّزِ وَالتَّهَيُّؤِ لِلْخُرُوجِ عَلَى الإِْمَامِ عَلَى وَجْهِ الْمُغَالَبَةِ ، وَعَدَمِ الْمُبَالاَةِ بِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ أَمَارَةَ بَغْيِهِمْ . [3]
(1) - المغني 8 / 107 ، الدر المختار وحاشية ابن عابدين 3 / 310 ، التاج والإكليل 6 / 277 ، منهاج الطالبين وحاشية قليوبي 4 / 173ـ 174 .
(2) - فتح القدير 4 / 411 ، وتبيين الحقائق وحاشية الشلبي 3 / 194 ، والبدائع 7 / 140 .
(3) - الشرح الكبير ، حاشية الدسوقي 4 / 299 .