أَمَّا لَوْ أَظْهَرُوا رَأْيَ الْخَوَارِجِ ، كَتَكْفِيرِ فَاعِل الْكَبِيرَةِ وَتَرْكِ الْجَمَاعَاتِ وَاسْتِبَاحَةِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ ، وَلَكِنْ لَمْ يَرْتَكِبُوا ذَلِكَ ، وَلَمْ يَقْصِدُوا الْقِتَال ، وَلَمْ يَخْرُجُوا عَنْ طَاعَةِ الإِْمَامِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يَكُونُ أَمَارَةَ الْبَغْيِ ، حَتَّى لَوِ امْتَازُوا بِمَوْضِعٍ يَتَجَمَّعُونَ فِيهِ ، لَكِنْ إِنْ حَصَل مِنْهُمْ ضَرَرٌ تَعَرَّضْنَا لَهُمْ إِلَى زَوَال الضَّرَرِ . [1]
بَيْعُ السِّلاَحِ لأَِهْل الْفِتْنَةِ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ السِّلاَحِ لِلْبُغَاةِ وَأَهْل الْفِتْنَةِ ؛ لأَِنَّ هَذَا سَدٌّ لِذَرِيعَةِ الإِْعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ ، وَكَذَا مَا كَانَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ مِنْ إِجَارَةٍ أَوْ مُعَاوَضَةٍ ، وَقَدْ قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: نَهَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ السِّلاَحِ فِي الْفِتْنَةِ [2] .
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِكَرَاهَةِ بَيْعِ السِّلاَحِ لَهُمْ كَرَاهَةً تَحْرِيمِيَّةً ؛ لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ } ؛ (سورة المائدة / 2) وَلأَِنَّ الْوَاجِبَ أَخْذُ سِلاَحِهِمْ بِمَا أَمْكَنَ ، حَتَّى لاَ يَسْتَعْمِلُوهُ فِي الْفِتْنَةِ ، فَمَنْعُ بَيْعِهِ لَهُمْ أَوْلَى .
وَالَّذِي يُكْرَهُ هُوَ بَيْعُ السِّلاَحِ نَفْسِهِ الْمُعَدِّ لِلاِسْتِعْمَال . وَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَنَّ طَالِبَ السِّلاَحِ مِنْ أَهْل الْفِتْنَةِ لاَ يُكْرَهُ الْبَيْعُ لَهُ ؛ لأَِنَّ الْغَلَبَةَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ لأَِهْل الصَّلاَحِ ، وَالأَْحْكَامُ تُبْنَى عَلَى الْغَالِبِ .
(1) - نهاية المحتاج 7 / 383 ، كشاف القناع 6 / 166 ، والمغني 8 / 111 .
(2) - الحطاب 4 / 254 ، ونهاية المحتاج 3 / 455 ، المغني 4 / 246 ، وإعلام الموقعين 3 / 158 . وحديث:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع السلاح في الفتنة"هو في السنن الكبرى للبيهقي- المكنز - (5 / 327) (11096) من طرق وهو حسن لغيره وصح وقفه
وكأن المراد بالفتنة ما يقع من الحروب بين المسلمين لأن في بيعه إذ ذاك إعانة لمن اشتراه، وهذا محله إذا اشتبه الحال، فأما إذا تحقق الباغي فالبيع للطائفة التي في جانبها الحق لا بأس به، قال ابن بطال: إنما كره بيع السلاح في الفتنة لأنه من باب التعاون على الإثم ومن ثم كره مالك والشافعي وأحمد وإسحاق بيع العنب ممن يتخذه خمرا وذهب مالك إلى فسخ البيع"فتح الباري لابن حجر - (4 / 323) "