وَأَمَّا مَا لاَ يُقَاتَل بِهِ إِلاَّ بِصَنْعَةٍ كَالْحَدِيدِ ، فَلاَ يُكْرَهُ بَيْعُهُ ؛ لأَِنَّ الْمَعْصِيَةَ تَقَعُ بِعَيْنِ السِّلاَحِ ، بِخِلاَفِ الْحَدِيدِ ، وَقَاسُوهُ عَلَى الْخَشَبِ الَّذِي يُتَّخَذُ مِنْهُ الْمَعَازِفُ ، فَإِنَّهُ لاَ يُكْرَهُ بَيْعُهُ ؛ لأَِنَّ عَيْنَهُ لَيْسَ مُنْكَرًا ، وَإِنَّمَا الْمُنْكَرُ فِي اسْتِعْمَالِهِ الْمَحْظُورِ .
وَالْحَدِيدُ وَإِنْ كَانَ يُكْرَهُ تَحْرِيمًا بَيْعُهُ لأَِهْل الْحَرْبِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ لأَِهْل الْبَغْيِ ؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يَتَفَرَّغُونَ لاِسْتِعْمَال الْحَدِيدِ سِلاَحًا ؛ لأَِنَّ فَسَادَهُمْ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ عَلَى شَرَفِ الزَّوَال بِالتَّوْبَةِ ، أَوْ بِتَفْرِيقِ جَمْعِهِمْ ، بِخِلاَفِ أَهْل الْحَرْبِ . [1]
وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ ، وَقَال: وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِهَذَا . [2]
وَاجِبُ الإِْمَامِ نَحْوَ الْبُغَاةِ:
أ - قَبْل الْقِتَال:
يَنْبَغِي لِلإِْمَامِ أَنْ يَدْعُوَ الْبُغَاةِ الْخَارِجِينَ عَلَيْهِ إِلَى الْعَوْدَةِ إِلَى الْجَمَاعَةِ ، وَالدُّخُول فِي طَاعَتِهِ رَجَاءَ الإِْجَابَةِ ، وَقَبُول الدَّعْوَةِ ، لَعَل الشَّرَّ يَنْدَفِعُ بِالتَّذْكِرَةِ ؛ لأَِنَّهُ تُرْجَى تَوْبَتُهُمْ ، وَيَسْأَلُهُمْ عَنْ سَبَبِ خُرُوجِهِمْ ، فَإِنْ كَانَ لِظُلْمٍ مِنْهُ أَزَالَهُ ، وَإِنْ ذَكَرُوا عِلَّةً يُمْكِنُ إِزَالَتُهَا أَزَالَهَا ، وَإِنْ ذَكَرُوا شُبْهَةً كَشَفَهَا ؛ [3] لأَِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَدَأَ الأَْمْرَ بِالإِْصْلاَحِ قَبْل الْقِتَال فَقَال: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } . (سورة الحجرات / 9) وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ كَفُّهُمْ وَدَفْعُ شَرِّهِمْ ، لاَ قَتْلُهُمْ . فَإِذَا أَمْكَنَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْل كَانَ أَوْلَى مِنَ الْقِتَال ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ بِالْفَرِيقَيْنِ . وَلاَ يَجُوزُ قِتَالُهُمْ قَبْل ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يُخَافَ شَرُّهُمْ . [4] وَإِنْ طَلَبُوا الإِْنْظَارَ - وَكَانَ الظَّاهِرُ مِنْ قَصْدِهِمُ الرُّجُوعَ إِلَى الطَّاعَةِ - أَمْهَلَهُمْ .
(1) - تبيين الحقائق 3 / 296ـ 297 ، والفتح والعناية4 / 415 ، والبدائع 7 / 140 .
(2) - حاشية ابن عابدين 3 / 313 .
(3) - تبيين الحقائق3 / 294 ، والدر وحاشية ابن عابدين 3 / 311 ، وفتح القدير 4 / 410 ، والبدائع 7 / 140 ، والشرح الكبير 4 / 299 ، الشرح الصغير 4 / 408 ، والمهذب 2 / 219 ، ونهاية المحتاج 7 / 385ـ 386 ، والمغني 8 / 108 ، وكشاف القناع 6 / 162 .
(4) - المغني 8 / 108 ، وكشاف القناع6 / 162 .