ب - قِتَال الْبُغَاةِ:
إِذَا مَا دَعَا الإِْمَامُ الْبُغَاةَ إِلَى الدُّخُول فِي طَاعَتِهِ ، وَكَشَفَ شُبْهَتَهُمْ ، فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا وَتَحَيَّزُوا مُجْتَمِعِينَ ، وَكَانُوا مُتَهَيِّئِينَ لِلْقِتَال فَإِنَّهُ يَحِل قِتَالُهُمْ . وَلَكِنْ هَل نَبْدَؤُهُمْ بِالْقِتَال ، أَمْ لاَ نُقَاتِلُهُمْ إِلاَّ إِذَا أَظْهَرُوا الْمُغَالَبَةَ ؟ هُنَاكَ اتِّجَاهَانِ:
الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: جَوَازُ الْبَدْءِ بِالْقِتَال ؛ لأَِنَّهُ لَوِ انْتَظَرْنَا قِتَالَهُمْ رُبَّمَا لاَ يُمْكِنُ الدَّفْعُ ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ خُوَاهَرْ زَادَهْ ، قَال الزَّيْلَعِيُّ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ؛ لأَِنَّ النَّصَّ جَاءَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالْبُدَاءَةِ مِنْهُمْ فِي قَوْله تَعَالَى: { فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي . . . } (الحجرات / 9) وَقَوْل عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ ، حِدَاثُ الأَْسْنَانِ سُفَهَاءُ الأَْحْلاَمِ ، يَقُولُونَ مِنْ قَوْل خَيْرِ الْبَرِيَّةِ ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [1] ؛ وَلأَِنَّ الْحُكْمَ يُدَارُ عَلَى عَلاَمَتِهِ ، وَهِيَ هُنَا التَّحَيُّزُ وَالتَّهَيُّؤُ ، فَلَوِ انْتَظَرْنَا حَقِيقَةَ قِتَالِهِمْ لَصَارَ ذَرِيعَةً لِتَقْوِيَتِهِمْ . فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَى الإِْمَارَةِ ضَرُورَةَ دَفْعِ شَرِّهِمْ ؛ وَلأَِنَّهُمْ بِالْخُرُوجِ عَلَى الإِْمَامِ صَارُوا عُصَاةً فَجَازَ قِتَالُهُمْ ، إِلَى أَنْ يُقْلِعُوا عَنْ ذَلِكَ . وَمَا نُقِل عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْخَوَارِجِ لَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تُقَاتِلُونَا مَعْنَاهُ: حَتَّى تَعْزِمُوا عَلَى قِتَالِنَا . وَلَوْ أَمْكَنَ دَفْعُ شَرِّهِمْ بِالْحَبْسِ بَعْدَمَا تَأَهَّبُوا فَعَل ذَلِكَ ، وَلاَ نُقَاتِلُهُمْ ؛ لأَِنَّهُ أَمْكَنَ دَفْعُ شَرِّهِمْ بِأَهْوَنَ مِنْهُ [2] .
وَإِلَى الْقَوْل بِحِل بَدْئِهِمْ بِالْقِتَال اتَّجَهَ فُقَهَاءُ الْحَنَابِلَةِ ، جَاءَ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: إِنْ أَبَوُا الرُّجُوعَ وَعَظَهُمْ وَخَوَّفَهُمْ بِالْقِتَال ، فَإِنْ رَجَعُوا إِلَى الطَّاعَةِ تَرَكَهُمْ ، وَإِلاَّ لَزِمَهُ قِتَالُهُمْ إِنْ كَانَ قَادِرًا ؛ لإِِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ [3] .
(1) - أخرجه البخاري ( الفتح 12 / 283ـ ط السلفية ) ومسلم ( 2 / 746ـ 747 ـ ط الحلبي ) .
(2) - تبيين الحقائق 3 / 294 ، والفتح 4 / 411 .
(3) - كشاف القناع 6 / 162 ، وانظر المغني 8 / 108 .