دَفْعِ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ ، فَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَتَاهُ سَاعِي نَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ دَفَعَ إِلَيْهِ زَكَاتَهُ ، وَكَذَلِكَ سَلَمَةُ بْنُ الأَْكْوَعِ .
وَلَيْسَ لإِِمَامِ أَهْل الْعَدْل إِذَا ظَهَرَ عَلَى هَذِهِ الْبِلاَدِ أَنْ يُطَالِبَ بِشَيْءٍ مِمَّا جَبَوْهُ ، وَلاَ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ أُخِذَ مِنْهُ ، وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَسَلَمَةَ بْنِ الأَْكْوَعِ ؛ وَلأَِنَّ وِلاَيَةَ الأَْخْذِ كَانَتْ لَهُ بِاعْتِبَارِ الْحِمَايَةِ ، وَلَمْ يَحْمِهِمْ ؛ وَلأَِنَّ فِي تَرْكِ الاِحْتِسَابِ بِهَا ضَرَرًا عَظِيمًا وَمَشَقَّةً كَبِيرَةً ، فَإِنَّهُمْ قَدْ يَغْلِبُونَ عَلَى الْبِلاَدِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ ، فَلَوْ لَمْ يُحْتَسَبْ مَا أَخَذُوهُ ، أَدَّى إِلَى أَخْذِ الصَّدَقَاتِ مِنْهُمْ عَنْ كُل تِلْكَ الْمُدَّةِ [1] .
وَقَال أَبُو عُبَيْدٍ: عَلَى مَنْ أَخَذُوا مِنْهُ الزَّكَاةَ الإِْعَادَةُ ؛ لأَِنَّهُ أَخَذَهَا مَنْ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ صَحِيحَةٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهَا آحَادُ الرَّعِيَّةِ [2] .
وَذَهَبَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ إِمَامُ أَهْل الْبَغْيِ صَرَفَ مَا أَخَذَهُ فِي مَصْرِفِهِ أَجْزَأَ مَنْ أُخِذَ مِنْهُ ، وَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ ؛ لِوُصُول الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَرَفَهُ فِي حَقِّهِ فَعَلَى مَنْ أُخِذَ مِنْهُمْ أَنْ يُعِيدُوا دَفْعَهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَصِل إِلَى مُسْتَحِقِّهِ . وَقَال الْكَمَال ابْنُ الْهُمَامِ: قَال الْمَشَايِخُ: لاَ إِعَادَةَ عَلَى الأَْرْبَابِ فِي الْخَرَاجِ ؛ لأَِنَّ الْبُغَاةَ مُقَاتِلَةٌ ، وَهُمْ مَصْرِفُ الْخَرَاجِ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ ، وَكَذَلِكَ فِي الْعُشْرِ إِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ ، أَمَّا إِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ فَقَدْ أَفْتَوْا بِالإِْعَادَةِ ، وَذَلِكَ فِي زَكَاةِ الأَْمْوَال كُلِّهَا [3] .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ عَادَ بَلَدُ الْبُغَاةِ إِلَى أَهْل الْعَدْل ، فَادَّعَى مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ أَنَّهُ دَفَعَهَا إِلَى أَهْل الْبَغْيِ قُبِل قَوْلُهُ . وَفِي اسْتِحْلاَفِهِ وَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَقَال أَحْمَدُ: لاَ يُسْتَحْلَفُ النَّاسُ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ .
(1) الفتح 4 / 413 ، والبدائع 7 / 142 ، والمهذب 2 / 221 ، ونهاية المحتاج 7 / 385 ، والمغني 8 / 118 ، وكشاف القناع 6 / 165 ، والكافي لابن عبد البر 1 / 486 ، ومنح الجليل 1 / 336 .
(2) - المغني 8 / 118 .
(3) - فتح القدير 4 / 413 .