وَإِنِ ادَّعَى مَنْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ أَنَّهُ دَفَعَهَا إِلَيْهِمْ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ ؛ لأَِنَّهَا عِوَضٌ ، فَلَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي الدَّفْعِ ، كَالْمُسْتَأْجِرِ إِذَا ادَّعَى دَفْعَ الأُْجْرَةِ . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُحْتَمَل قَبُول قَوْلِهِمْ إِذَا مَضَى الْحَوْل ؛ لأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبُغَاةَ لاَ يَدَّعُونَ الْجِزْيَةَ لَهُمْ ، فَكَانَ الْقَوْل قَوْلَهُمْ ؛ لأَِنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُمْ ؛ وَلأَِنَّهُ إِذَا مَضَى لِذَلِكَ سُنُونَ كَثِيرَةٌ شَقَّ عَلَيْهِمْ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى مُدَّعِيهِمْ ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى تَغْرِيمِهِمُ الْجِزْيَةَ مَرَّتَيْنِ .
وَإِنِ ادَّعَى مَنْ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ أَنَّهُ دَفَعَهُ إِلَيْهِمْ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْبَل قَوْلُهُ ؛ لأَِنَّهُ مُسْلِمٌ ، فَقُبِل قَوْلُهُ فِي الدَّفْعِ لِمَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ . وَالثَّانِي: لاَ يُقْبَل ؛ لأَِنَّ الْخَرَاجَ ثَمَنٌ أَوْ أُجْرَةٌ ، فَلَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي الدَّفْعِ ، كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ وَالأُْجْرَةِ فِي الإِْجَارَةِ [1] .
وَيَصِحُّ تَفْرِيقُهُمْ سَهْمَ الْمُرْتَزِقَةِ عَلَى جُنُودِهِمْ ؛ لاِعْتِقَادِهِمُ التَّأْوِيل الْمُحْتَمَل ، فَأَشْبَهَ الْحَكَمَ بِالاِجْتِهَادِ ؛ وَلِمَا فِي عَدَمِ الاِعْتِدَادِ بِهِ مِنَ الإِْضْرَارِ بِالرَّعِيَّةِ ؛ وَلأَِنَّ جُنْدَهُمْ مِنْ جُنْدِ الإِْسْلاَمِ ، وَرُعْبُ الْكُفَّارِ قَائِمٌ بِهِمْ ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الزَّكَاةُ مُعَجَّلَةً أَمْ لاَ ، وَاسْتَمَرَّتْ شَوْكَتُهُمْ عَلَى وُجُوبِهَا أَمْ لاَ ، وَقِيل: لاَ يُعْتَدُّ بِتَفْرِقَتِهِمْ لِئَلاَّ يَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَيْنَا [2] ، وَإِنْ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ ذِمِّيًّا فَهُوَ كَالْجِزْيَةِ ؛ لأَِنَّهُ عِوَضٌ عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِ [3] .
ب - قَضَاءُ الْبُغَاةِ وَحُكْمُ نَفَاذِهِ:
لَوْ ظَهَرَ أَهْل الْبَغْيِ عَلَى بَلَدٍ فَوَلَّوْا فِيهِ قَاضِيًا مِنْ أَهْلِهِ ، وَلَيْسَ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ صَحَّ اتِّفَاقًا ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ الْحُدُودَ . أَمَّا إِنْ كَانَ مِنْهُمْ ، فَإِذَا ظَهَرَ أَهْل الْعَدْل عَلَى هَذَا الْبَلَدِ ، فَرُفِعَتْ أَقْضِيَتُهُ إِلَى قَاضِي أَهْل الْعَدْل نَفَذَ مِنْهَا مَا هُوَ عَدْلٌ ، وَكَذَا مَا قَضَاهُ بِرَأْيِ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ ؛ لأَِنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي فِي الْمُجْتَهَدَاتِ نَافِذٌ ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِرَأْيِ قَاضِي أَهْل الْعَدْل [4] .
(1) - المهذب 2 / 221 .
(2) - نهاية المحتاج 7 / 385 ، والمغني8 / 119 .
(3) - المغني 8 / 119 ، وكشاف القناع 6 / 166 .
(4) - الفتح 4 / 416 ، والبدائع 7 / 142 ، والمغني 8 / 119 .