وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا كَانَ الْبَاغِي مُتَأَوِّلًا ، وَأَقَامَ قَاضِيًا ، فَحَكَمَ بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ ، وَلاَ تُتَصَفَّحُ أَحْكَامُهُ ، بَل تُحْمَل عَلَى الصِّحَّةِ ، وَيَرْتَفِعُ بِهَا الْخِلاَفُ . قَال الْمَوَّاقُ: هَذَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ . أَمَّا غَيْرُ الْمُتَأَوِّل فَأَحْكَامُهُ تُتَعَقَّبُ . وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ: لاَ يَجُوزُ قَضَاؤُهُمْ [1] .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْتَبِيحُ دِمَاءَ أَهْل الْعَدْل وَأَمْوَالَهُمْ لَمْ تَنْفُذْ أَحْكَامُهُ ؛ لأَِنَّ مِنْ شَرْطِ الْقَضَاءِ الْعَدَالَةَ وَالاِجْتِهَادَ ، وَهَذَا لَيْسَ بِعَدْلٍ وَلاَ مُجْتَهِدٍ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لاَ يَسْتَبِيحُ ذَلِكَ نَفَذَ مِنْ حُكْمِهِ مَا يَنْفُذُ مِنْ حُكْمِ أَهْل الْعَدْل ؛ لأَِنَّ لَهُمْ تَأْوِيلًا يَسُوغُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ ، فَلَمْ يُنْقَضْ مِنْ حُكْمِهِ مَا يَسُوغُ الاِجْتِهَادُ فِيهِ ؛ وَلأَِنَّهُ اخْتِلاَفٌ فِي الْفُرُوعِ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْقَضَاءِ وَلَمْ يَفْسُقْ كَاخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ ، وَإِذَا حَكَمَ بِمَا لاَ يُخَالِفُ إِجْمَاعًا نَفَذَ حُكْمُهُ ، وَإِنْ خَالَفَ الإِْجْمَاعَ نُقِضَ ، وَإِنْ حَكَمَ بِسُقُوطِ الضَّمَانِ عَنْ أَهْل الْبَغْيِ فِيمَا أَتْلَفُوهُ حَال الْحَرْبِ جَازَ حُكْمُهُ ؛ لأَِنَّهُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا أَتْلَفُوهُ قَبْل الْحَرْبِ لَمْ يَنْفُذْ ؛ لأَِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلإِْجْمَاعِ ، وَإِنْ حَكَمَ عَلَى أَهْل الْعَدْل بِالضَّمَانِ فِيمَا أَتْلَفُوهُ حَال الْحَرْبِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِلإِْجْمَاعِ ، وَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِوُجُوبِ الضَّمَانِ فِيمَا أَتْلَفُوهُ فِي غَيْرِ حَال الْحَرْبِ نَفَذَ حُكْمُهُ [2] .
ج - كِتَابُ قَاضِي الْبُغَاةِ إِلَى قَاضِي أَهْل الْعَدْل:
لاَ يَقْبَل قَاضِي أَهْل الْعَدْل كِتَابَ قَاضِي الْبُغَاةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ؛ لأَِنَّهُمْ فَسَقَةٌ [3] . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ الْحُكْمُ بِكِتَابِهِمْ إِلَيْنَا بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ فِي الأَْصَحِّ ، وَيُسْتَحَبُّ عَدَمُ تَنْفِيذِهِ وَالْحُكْمِ بِهِ ، اسْتِخْفَافًا بِهِمْ حَيْثُ لاَ ضَرَرَ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ . فَإِنْ قَبِلَهُ جَازَ ؛ لأَِنَّهُ يَنْفُذُ حُكْمُهُ ، فَجَازَ الْحُكْمُ بِكِتَابِهِ ، كَقَاضِي أَهْل الْعَدْل ؛ لأَِنَّهُ حُكْمٌ وَالْحَاكِمُ مِنْ أَهْلِهِ .
(1) - الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 4 / 300 ، التاج والإكليل 6 / 279 ، الشرح الصغير 4 / 430 ، ومنح الجليل 1 / 336 .
(2) - المهذب 2 / 221 ، ونهاية المحتاج 7 / 384 ، والمغني 8 / 119 - 220 .
(3) - الفتح 4 / 416 ، والبدائع 7 / 142 .