بَل لَوْ كَانَ الْحُكْمُ لِوَاحِدٍ مِنَّا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، فَالْمُتَّجَهُ وُجُوبُ التَّنْفِيذِ . وَقِيل: لاَ يَجُوزُ اعْتِبَارُ كِتَابِهِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْلاَءٍ لِمَنْصِبِهِ [1] .
وَلَمْ نَقِفْ عَلَى نَصٍّ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي هَذَا ، لَكِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا فِي الْقَاضِي الَّذِي يُقْبَل كِتَابُهُ: الْعَدَالَةَ ، سَوَاءٌ أَكَانَ تَوَلَّى الْقَضَاءَ مِنْ قِبَل الْوَالِي الْمُتَغَلِّبِ أَوْ مِنْ قِبَل الْكَافِرِ ، رِعَايَةً لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ ، مِمَّا يُفِيدُ جَوَازَ قَبُول كِتَابِ قَاضِي أَهْل الْبَغْيِ [2] .
د - إِقَامَتُهُمْ لِلْحَدِّ ، وَوُجُوبُهُ عَلَيْهِمْ:
الْحَدُّ الَّذِي يُقِيمُهُ إِمَامُ أَهْل الْبَغْيِ يَقَعُ مَوْقِعَهُ ، وَيَكُونُ مُجْزِئًا ، وَلاَ يُعَادُ ثَانِيًا عَلَى الْمَحْدُودِ إِنْ كَانَ غَيْرَ قَتْلٍ ، وَلاَ دِيَةَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ قَتْلًا ، لأَِنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَاتَل أَهْل الْبَصْرَةِ ، وَلَمْ يُلْغِ مَا فَعَلُوهُ ؛ لأَِنَّهُمْ فَعَلُوهُ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ ، فَوَجَبَ إِمْضَاؤُهُ ، وَهَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ كُلٌّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ [3] .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَ الْقَاضِي الَّذِي أَقَامَهُ إِمَامُ أَهْل الْبَغْيِ مِنْ أَهْل الْبَلَدِ الَّتِي تَغَلَّبُوا عَلَيْهَا ، وَلَيْسَ مِنَ الْبُغَاةِ ، وَجَبَ عَلَيْهِ إِقَامَةُ الْحَدِّ وَأَجْزَأَ . وَأَمَّا إِذَا كَانَ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ ، وَكَانُوا امْتَنَعُوا بِدَارِ الْحَرْبِ ، فَإِنَّ الْحَدَّ لاَ يَجِبُ ؛ إِذِ الْفِعْل لَمْ يَقَعْ مُوجِبًا أَصْلًا لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ دَارِ الإِْسْلاَمِ ؛ لِعَدَمِ الْوِلاَيَةِ عَلَى مَكَانِ وُقُوعِ الْجَرِيمَةِ وَقْتَ وُقُوعِهَا . وَلَوْ رَجَعَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَيْضًا . وَعَلَى هَذَا لَوْ تَغَلَّبْنَا عَلَيْهِمْ لاَ يُقَامُ . وَلَوْ كَانُوا أَقَامُوهُ فَإِنَّهُ لاَ تَجِبْ إِعَادَتُهُ ؛ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ أَصْلًا [4] .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا ارْتَكَبُوا حَال امْتِنَاعِهِمْ مَا يُوجِبُ حَدًّا ، ثُمَّ قُدِرَ عَلَيْهِمْ - وَلَمْ يَكُنْ أُقِيمَ الْحَدُّ - أُقِيمَتْ فِيهِمْ حُدُودُ اللَّهِ ، وَلاَ تَسْقُطُ الْحُدُودُ بِاخْتِلاَفِ الدَّارِ . وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْمُنْذِرِ لِعُمُومِ الآْيَاتِ وَالأَْخْبَارِ ؛ وَلأَِنَّ كُل مَوْضِعٍ تَجِبُ فِيهِ الْعِبَادَةُ فِي
(1) - المهذب 2 / 221 ، ونهاية المحتاج 7 / 384 ، والمغني 8 / 120 ، وكشاف القناع 6 / 166 .
(2) - التاج والإكليل6 / 143 .
(3) - الشرح الصغير 4 / 430 ، والتاج والإكليل 6 / 279 ، وحاشية الدسوقي 4 / 300 ، والمهذب 2 / 221 ، والمغني 8 / 118 .
(4) - الفتح 4 / 115 ، 116 ، والبدائع 7 / 131 .