وَإِنَّمَا رَدُّوا شَهَادَةَ الْخَطَّابِيَّةِ مِنْهُمْ لأَِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ أَصْحَابَهُمْ لاَ يَكْذِبُونَ - أَيْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ كُل مَنْ كَانَ عَلَى عَقِيدَتِهِمْ لاَ يَكْذِبُ - فَإِذَا رَأَوْهُ فِي قَضِيَّةٍ شَهِدُوا لَهُ بِمُجَرَّدِ التَّصْدِيقِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا حَقِيقَةَ الْحَال . [1]
رِوَايَةُ أَهْل الأَْهْوَاءِ لِلْحَدِيثِ:
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَبُول رِوَايَةِ أَهْل الأَْهْوَاءِ لِلْحَدِيثِ ، فَقَدْ مَنَعَ الرِّوَايَةَ عَنْهُمُ ابْنُ سِيرِينَ وَمَالِكٌ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَالْحُمَيْدِيُّ وَيُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَعَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ وَغَيْرُهُمْ . وَحُجَّةُ هَؤُلاَءِ: أَنَّ أَهْل الأَْهْوَاءِ: إِمَّا كُفَّارٌ أَوْ فُسَّاقٌ ، وَلاَ تَحِل الرِّوَايَةُ عَنْ هَؤُلاَءِ ؛ وَلأَِنَّ فِي تَرْكِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ إِهَانَةً لَهُمْ وَهَجْرًا ، وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِذَلِكَ رَدْعًا لَهُمْ عَنِ الْهَوَى ؛ وَلأَِنَّ الْهَوَى لاَ يُؤْمَنُ مَعَهُ الْكَذِبُ ، لاَ سِيَّمَا إِذَا كَانَتِ الرِّوَايَةُ مِمَّا يُعَضِّدُ هَوَى الرَّاوِي .
وَرَخَّصَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُمْ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ أَهْل الأَْهْوَاءِ ، إِذَا عُرِفُوا بِالصِّدْقِ وَلَمْ يُتَّهَمُوا بِالْكَذِبِ كَالْخَوَارِجِ ، دُونَ مَنْ يُتَّهَمُ مِنْ أَهْل الأَْهْوَاءِ بِالْكَذِبِ .
وَفَرَّقَ جَمَاعَةٌ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ مِنْ أَهْل الأَْهْوَاءِ وَغَيْرِهِ ، فَمَنَعُوا الرِّوَايَةَ عَنِ الدَّاعِيَةِ مِنْهُمْ دُونَ غَيْرِهِ ، وَمِنْ هَؤُلاَءِ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، حَتَّى قَال فِي فَوَاتِحِ الرَّحَمُوتِ: وَعَلَى هَذَا أَئِمَّةُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ كُلُّهُمْ ؛ وَلأَِنَّ الْمُحَاجَّةَ وَالدَّعْوَةَ إِلَى الْهَوَى سَبَبٌ دَاعٍ إِلَى التَّقَوُّل ، فَلاَ يُؤْمَنُ عَلَى حَدِيثِهِ [2] .
وَفَرَّقَ جَمَاعَةٌ بَيْنَ مَنْ يَغْلُو فِي هَوَاهُ وَمَنْ لاَ يَغْلُو ، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا قَوْلٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْبِدَعِ الْمُغَلَّظَةِ ، كَالتَّجَهُّمِ وَالْقَدَرِ ، وَالْبِدَعِ الْمُخَفَّفَةِ ذَاتُ الشُّبْهَةِ كَالإِْرْجَاءِ . قَال الإِْمَامُ
(1) - انظر حاشية ابن عابدين 1 / 377 ، وفواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت 1 / 140 ، وحاشية قليوبي 4 / 322 ، وحاشية الجمل 5 / 386 طبع دار إحياء التراث .
(2) - فواتح الرحموت 2 / 140 .