أَمَّا إِنْ لَمْ تَكُنْ مُكَفِّرَةً فَإِنَّ عُقُوبَتَهُمُ التَّعْزِيرُ بِالاِتِّفَاقِ ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الدُّعَاةِ مِنْهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِ الدُّعَاةِ ، فَغَيْرُ الدُّعَاةِ يُعَزَّرُونَ بِالضَّرْبِ أَوِ الْحَبْسِ ، أَوْ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ نَافِعٌ بِهِمْ ، وَكَرِهَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ حَبْسَهُمْ ، وَقَال: إِنَّ لَهُمْ وَالِدَاتٍ وَأَخَوَاتٍ .
أَمَّا الدُّعَاةُ مِنْهُمْ وَالرُّؤَسَاءُ فَيَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ بِهِمُ التَّعْزِيرُ إِلَى الْقَتْل سِيَاسَةً ، قَطْعًا لِدَابِرِ الإِْفْسَادِ فِي الأَْرْضِ ، وَعَلَى هَذَا الْحَنَفِيَّةُ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ أَحْمَدَ ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ الإِْمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى [1] .
شَهَادَةُ أَهْل الأَْهْوَاءِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَبُول شَهَادَةِ أَهْل الأَْهْوَاءِ الَّذِينَ لاَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِمْ ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَشَرِيكٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلاَّمٍ - وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى رَدِّ شَهَادَتِهِمْ لأَِنَّهُمْ فَسَقَةٌ ، وَلاَ يُعْذَرُونَ بِالتَّأْوِيل [2] .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إِلَى قَبُول شَهَادَةِ أَهْل الأَْهْوَاءِ ، إِلاَّ الْخَطَّابِيَّةَ ، فَإِنَّهُمْ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُمْ . [3]
وَقَدْ فَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَبُول شَهَادَةِ أَهْل الأَْهْوَاءِ بَيْنَ الدُّعَاةِ وَغَيْرِهِمْ ، فَقَبِلُوا شَهَادَةَ الْعَامَّةِ مِنْهُمْ ، وَرَدُّوا شَهَادَةَ الدُّعَاةِ لأَِنَّهُمْ مُفْسِدُونَ فِي الأَْرْضِ ، وَقَدِ احْتَجَّ هَؤُلاَءِ فِي قَبُول شَهَادَةِ أَهْل الأَْهْوَاءِ بِأَنَّ الْهَوَى نَاشِئٌ عَنِ التَّعَمُّقِ فِي الدِّينِ ، وَذَلِكَ يَصُدُّهُ عَنِ الْكَذِبِ .
(1) - حاشية ابن عابدين 3 / 147 ، 297 ، والآداب الشرعية 1 / 291 ، والسياسة الشرعية لابن تيمية ص 99 طبع بيروت دار الكتب العربية .
(2) - الشرح الصغير 4 / 240 ، والمغني 9 / 165 .
(3) - في كتاب الفرق بين الفرق ص 255: أن الخطابية كلهم حلوليون ، يدعون حلول روح الإله في جعفر الصادق ، وبعده في أبي الخطاب الأسدي ، قال: فهذه الطائفة كافرة من هذه الجهة . وفي الزيلعي على الكنز ( 4 / 223 ) : أنهم كانوا يستجيزون أن يشهدوا للمدعي إذا حلف عندهم أنه محق ، ويقولون: المسلم لا يكذب ، وقيل: إنهم كانوا يعتقدون أن من ادعى منهم شيئا على غيره يجب أن يشهد له بقية شيعته .