وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الاِبْتِدَاعَ فِي الْعَادَاتِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْعِبَادَاتِ جَائِزٌ ؛ لأَِنَّهُ لَوْ جَازَتِ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الاِبْتِدَاعِ فِي الْعَادَاتِ لَوَجَبَ أَنْ تُعَدَّ كُل الْعَادَاتِ الَّتِي حَدَثَتْ بَعْدَ الصَّدْرِ الأَْوَّل - مِنَ الْمَآكِل وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلاَبِسِ وَالْمَسَائِل النَّازِلَةِ - بِدَعًا مَكْرُوهَاتٍ ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَقُل أَحَدٌ بِأَنَّ تِلْكَ الْعَادَاتِ الَّتِي بَرَزَتْ بَعْدَ الصَّدْرِ الأَْوَّل مُخَالِفَةٌ لَهُمْ ؛ وَلأَِنَّ الْعَادَاتِ مِنَ الأَْشْيَاءِ الَّتِي تَدُورُ مَعَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ [1] .
دَوَاعِي الْبِدْعَةِ وَأَسْبَابُهَا:
دَوَاعِي الْبِدْعَةِ وَأَسْبَابُهَا وَبَوَاعِثُهَا كَثِيرَةٌ وَمُتَعَدِّدَةٌ ، يَصْعُبُ حَصْرُهَا ؛ لأَِنَّهَا تَتَجَدَّدُ وَتَتَنَوَّعُ حَسَبَ الأَْحْوَال وَالأَْزْمَانِ وَالأَْمْكِنَةِ وَالأَْشْخَاصِ ، وَأَحْكَامُ الدِّينِ وَفُرُوعُهُ كَثِيرَةٌ ، وَالاِنْحِرَافُ عَنْهَا وَاتِّبَاعُ سُبُل الشَّيْطَانِ فِي كُل حُكْمٍ مُتَعَدِّدُ الْوُجُوهِ . وَكُل خُرُوجٍ إِلَى وَسِيلَةٍ مِنْ وَسَائِل الْبَاطِل لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ بَاعِثٍ . وَمَعَ ذَلِكَ فَمِنَ الْمُمْكِنِ إِرْجَاعُ الدَّوَاعِي وَالأَْسْبَابِ إِلَى مَا يَأْتِي:
أ - الْجَهْل بِوَسَائِل الْمَقَاصِدِ:
أَنْزَل اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْقُرْآنَ عَرَبِيًّا لاَ عُجْمَةَ فِيهِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ جَارٍ فِي أَلْفَاظِهِ وَمَعَانِيهِ وَأَسَالِيبِهِ عَلَى لِسَانِ الْعَرَبِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فَقَال: { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا } (سورة يوسف / 2) . وَقَال: { قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ } (سورة الزمر / 28) وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ لاَ تُفْهَمُ إِلاَّ إِذَا فَهِمَ اللِّسَانُ الْعَرَبِيُّ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا } (سورة الرعد / 37) وَالإِْخْلاَل فِي ذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى الْبِدْعَةِ .
ب - الْجَهْل بِالْمَقَاصِدِ:
مَا يَنْبَغِي لِلإِْنْسَانِ أَنْ يَعْلَمَهُ وَلاَ يَجْهَلَهُ مِنَ الْمَقَاصِدِ أَمْرَانِ:
( 1 ) أَنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ كَامِلَةً تَامَّةً لاَ نَقْصَ فِيهَا وَلاَ زِيَادَةَ ، وَيَجِبُ أَنْ يُنْظَرُ إِلَيْهَا بِعَيْنِ الْكَمَال لاَ بِعَيْنِ النَّقْصِ ، وَأَنْ يَرْتَبِطَ بِهَا ارْتِبَاطَ ثِقَةٍ وَإِذْعَانٍ ، فِي عَادَاتِهَا
(1) - قواعد الأحكام 2 / 172 ، 173 ، والاعتصام للشاطبي 2 / 31 ، 32