فهرس الكتاب
وَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، لَمَا جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: قَالَ اللَّهُ ، كَيْفَ يَقُولُهُ وَهُوَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، بَلْ كَيْفَ يَكُونُ مِنْ دُونِهِ وَهُوَ قَالَهُ ؟ . وَمِمَّا غَالَطَ بِهِ الْجَهْمِيُّ مَنْ لَا يَعْلَمُ ، أَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ رَبُّ الْقُرْآنِ وَكُلُّ مَرْبُوبٍ فَهُوَ مَخْلُوقٌ . فَاحْتَجَّ الْجَهْمِيُّ بِكَلِمَةٍ لَمْ يَنْزِلْ بِهَا الْقُرْآنُ ، وَلَا جَاءَ بِهَا أَثَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَلَا مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، فَيَتَّخِذُ ذَلِكَ حُجَّةً ، وَإِنَّمَا هِيَ كَلِمَةٌ خَفَّتْ عَلَى أَلَسُنِ بَعْضِ الْعَوَامِّ ، وَجَازَتْ بَعْضُ اللُّغَاتِ ، فَتَجَافَى لَهُمْ عَنْهَا الْعُلَمَاءُ ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِي جَوَازِ ذَلِكَ كَمَا اسْتَجَازُوا أَنْ يَقُولُوا: مَنْ رَبُّ هَذِهِ الدَّارِ ، وَهَذَا رَبُّ هَذِهِ الدَّابَّةِ وَلَيْسَ هُوَ خَلَقَهَا ، وَكَمَا يَقُولُونَ: مَنْ رَبُّ هَذَا الْكَلَامِ ، وَمَنْ رَبُّ هَذِهِ الرِّسَالَةِ ، وَمَنْ رَبُّ هَذَا الْكِتَابِ ، أَيْ: مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ ؟ وَمَنْ أَلَّفَ هَذَا الْكِتَابَ ؟ وَمَنْ أَرْسَلَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ ؟ لَا أَنَّهُ خَالِقُ الْكَلَامِ ، وَلَا خَالِقُ الْكِتَابِ وَالرِّسَالَةَ . فَلِذَلِكَ اسْتَجَازَ بَعْضُ الْعَوَامِّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ وَخَفَّتْ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ لَا أَصْلَ لَهَا عَمَّنْ قَوْلُهُ حُجَّةٌ ، وَإِنَّمَا قَالُوا: يَا رَبَّ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِمْ: يَا مَنْزِلَ الْقُرْآنِ وَيَا مَنْ تَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ وَيَا قَائِلَ الْقُرْآنِ . فَلَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ مِنَ اللَّهِ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ ، جَازَ أَنْ يَقُولُوا هَذِهِ الْكَلِمَةَ ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ كُفْرَ الْجَهْمِيَّةَ وَكَذِبَهَا فِي دَعْوَاهَا أَنَّ كُلَّ مَرْبُوبٍ مَخْلُوقٌ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونَ اللَّهِ ، أَفَتَرَى ظَنَّ الْجَهْمِيُّ أَنَّ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ خَلَقُوهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟ وَقَالَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ، يَعْنِي: عِنْدَ سَيِّدِكَ . قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ وَمِمَّا غَالَطَ بِهِ الْجَهْمِيُّ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ أَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ، وَاللَّوْحُ مَحْدُودٌ ، وَكُلُّ مَحْدُودٍ مَخْلُوقٌ عَلَى أَنَّ الْجَهْمِيَّ يَجْحَدُ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ وَيُنْكِرُهُ وَيَرُدُّ كِتَابَ اللَّهِ وَوَحْيَهُ فِيهِ ، وَلَكِنَّهُ يُقِرُّ بِهِ فِي مَوْضِعٍ يَرْجُو بِهِ الْحُجَّةَ لِكُفْرِهِ ، فَقَالَ الْجَهْمِيُّ إِنَّ اللَّوْحَ بِمَا فِيهِ مَخْلُوقٌ ، وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقٌ فِيهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، فَقَبَّحُوا فِي التَّأْوِيلِ وَكَفَرُوا بِالتَّنْزِيلِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ ، وَعِلْمُ اللَّهِ وَكَلَامُهُ وَجَمِيعُ صِفَاتِهِ كُلُّ ذَلِكَ سَابِقُ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ قَبْلَهُ وَقَبْلَ الْقَلَمِ وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ:"إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ فَكَتَبَ فِي"