فهرس الكتاب
اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ، فَكَانَ خَلَقَ الْقَلَمَ وَاللَّوْحَ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا كُونَا ، فَقَوْلُهُ: قَبْلَ خَلْقِهِ ، وَمَا فِي اللَّوْحِ كَلَامُهُ ، وَإِنَّمَا مَا فِي اللَّوْحِ مِنَ الْقُرْآنِ الْخَطُّ وَالْكِتَابُ ، فَأَمَّا كَلَامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مَطَهَّرَةٍ ، وَإِنَّمَا كُرِّمَتْ وَرُفِعَتْ وَطُهِّرَتْ لِأَنَّهَا لِكَلَامِ اللَّهِ اسْتَوْدَعَتْ"وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَا يَكُونُ مَخْلُوقٌ فِيهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، فَذَلِكَ أَيْضًا يَهِتُّ مِنْ كَلَامِهِمْ وَيَتَنَاقَضُ فِي حُجَجِهِمْ ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ ، وَالسَّمَاوَاتُ مَخْلُوقَةٌ ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، وَاللَّهُ تَعَالَى فِيهَا ، فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ مَخْلُوقًا فِيهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، وَمِنْ أَصْلِ الْجَهْمِيَّةِ وَمَذَاهِبِهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحِلُّ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا وَفِي الْأَمْكِنَةِ ، وَالْأَمْكِنَةُ مَخْلُوقَةٌ ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ لَا مَخْلُوقَ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ مِنْهُ لَا يَكُونُ مَخْلُوقًا قَالَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ: عِلْمُهُ ، فَأَخْبَرَ أَنَّ عِلْمَهُ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَهَلْ يَكُونُ الْعِلْمُ مَخْلُوقًا ؟ وَإِنَّمَا يَكُونُ مَخْلُوقًا مَا لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ ، وَرَبُّنَا لَمْ يَزَلْ عَالِمًا مُتَكَلِّمًا وَمِمَّا غَالَطَ بِهِ الْجَهْمِيُّ مَنْ لَا يَعْلَمُ: الْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ:"مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ سَمَاءٍ وَلَا أَرْضٍ وَلَا شَيْءٍ أَعْظَمَ مِنْ آيَةِ الْكُرْسِيِّ"، فَتَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى مَنْ لَا يَعْلَمُ ، وَأَخْطَئُوا وَغَالَطُوا بِالْمُتَشَابِهِ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ كَمَا غَالَطُوا بِالْمُتَشَابِهِ مِنَ الْقُرْآنِ ، فَإِذَا تَفَهَّمَهُ الْعَاقِلُ وَجَدَهُ وَاضِحًا بَيِّنًا ، فَلَوْ كَانَتْ آيَةُ الْكُرْسِيِّ مَخْلُوقَةً كَخَلْقِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ إِذًا لَكَانَتِ السَّمَاءُ أَعْظَمَ مِنْهَا ، وَلَكَانَتِ الْجَنَّةُ أَعْظَمَ مِنْهَا ، وَلَكَانَتِ النَّارُ أَعْظَمَ مِنْهَا لِقِلَّةِ حُرُوفِهَا وَخِفَّتِهَا عَلَى اللِّسَانِ ، وَإِنَّ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَطْوَلُ وَأَعْرَضُ وَأَوْسَعُ وَأَثْقَلُ وَأَعْظَمُ فِي الْمَنْظَرِ ، وَلَا بَلَغَ ذَلِكَ كُلَّهُ مَبْلَغَ حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي خَلْقِ اللَّهِ كُلِّهِ مَا يَبْلُغُ عِظَمَ كَلَامِ اللَّهِ وَإِنْ خَفَّ ، وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ ، وَلَنْ يَعْظُمَ ذَلِكَ الشَّيْءُ فِي أَعْيُنِ الْعِبَادِ ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: مَا خَلَقَ اللَّهُ بِالْبَصْرَةِ رَجُلًا أَفْضَلَ مِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ؟ وَسُفْيَانُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، وَإِنَّمَا أَرَدْتَ: لَيْسَ بِالْبَصْرَةِ مَعَ عِظَمِهَا وَكَثْرَةِ أَهْلِهَا مِثْلُهُ وَلَا مَنْ يُدَانِيهِ فِي فَضْلِهِ وَكَقَوْلِكَ:"مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ ،