فأثيب ذو النية الصالحة بثواب العمل الصالح،ووزر صاحب النية الفاسدة بوزر صاحب العمل الفاسد،وكان مردّ هذا إلى النية وحدها .
وعَنْ أَنَسٍ،قَالَ:لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ،وَدَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ،قَالَ:إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مِنْ مَسِيرٍ،وَلاَ قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ،إِلاَّ كَانُوا مَعَكُمْ فِيهِ،قَالُوا:يَا رَسُولَ اللهِ،وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ؟ قَالَ:نَعَمْ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ." [1] "
فحسن النية إذا هو الذي جعل غير الغازي في الأجر كالغازي،وجعل غير المجاهد يحصل على أجر كأجر المجاهد .
وعَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ،فَلَقِيَنِى أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قُلْتُ أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ.قَالَ ارْجِعْ فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِى النَّارِ » .فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ « إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ » [2] .
فسوَّت النية الفاسدة والإرادة السيئة بين قاتل مستحق للنار وبين مقتول لولا نيته الفاسدة لكان من أهل الجنة .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى صَدَاقٍ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ لا يُؤَدِّيَهُ إِلَيْهَا فَهُوَ زَانٍ،وَمَنِ ادَّانَ دَيْنًا وَهُوَ يَنْوِي أَنْ لا يُؤَدِّيَهُ إِلَى صَاحِبِهِ،أَحْسِبُهُ قَالَ:فَهُوَ سَارِقٌ" [3] ."
فبالنية السيئة انقلب المباح حرامًا،والجائز ممنوعًا،وما كان خاليًا من الحرج أصبح ذا حرج .
كل هذا يؤكد ما يعتقده المسلم في خطر النية،وعظم شأنها،وكبير أهميتها فلذا هو يبني سائر أعماله على صالح النيات،كما يبذل جهده في أن لا يعمل عملًا بدون نية،أو نية غير صالحة،إذ النية روح العمل وقوامه،صحته من صحتها وفساده من فسادها،والعمل بدون نية صاحبه مراء متكلف ممقوت
وكما يعتقد المسلم أن النية ركن الأعمال وشرطها،فإنه يرى أن النية ليست مجرد لفظ باللسان (اللهم نويت كذا ) ولا هي حديث نفس فحسب،بل هي انبعاث القلب نحو العمل الموافق لغرض صحيح من جلب نفع،أو دفع ضر حالا،أو مآلا،كما هي الإرادة المتوجهة تجاه الفعل لابتغاء رضا الله،أو امتثال أمره .
والمسلم إذ يعتقد أن العمل المباح ينقلب بحسن النية طاعة ذات أجر ومثوبة وأن الطاعة إذا خلت من نية صالحة تنقلب معصية ذات وزر وعقوبة،لا يرى أن المعاصي تؤثر فيها النية الحسنة فتنقلب طاعة،فالذي يغتاب شخصًا لتطييب خاطر شخص آخر هو عاص لله تعالى آثم لا تنفعه نيته الحسنة في
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (4423) وصحيح ابن حبان - (11 / 33) (4731)
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (31 ) وصحيح مسلم- المكنز - (7435 )
(3) - كشف الأستار - (2 / 163) (1430) حسن لغيره