فهرس الكتاب

الصفحة 464 من 670

لا بد للإنسان في حياته اليومية من مخالطة الناس ومعاملتهم،ومجالستهم في مجالس عامة أو خاصة،ومن خلال هذه المجالس يمكن الحكم على المتجالسين،وبما ينفضُّون عن مجلسهم من نتائج وثمرات يمكن الاعتداد بهذا المجلس والافتخار بحضوره،أو الإعراض عنه وتجنب خطره وفساده.

والمجالس مجتمعات يحضرها أناس من جميع الطبقات،ويتكلم فيها رجال من كافة المستويات،منهم الغث ومنهم السمين ومنهم المصلح ومنهم المفسد،والمسلم من يستطيع أن يدير دفة المجلس لما فيه من خير المتجالسين في دينهم ودنياهم،ولما فيه رضى الله ورسوله،فإن لم يستطع فالإعراض عن ذلك المجلس هو محض الخير وعين الصواب.قال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} (140) سورة النساء

وقد كان الأنبياء والمصلحون يغشون مجالس الناس فيقعدون معهم بتواضع وإخلاص،يأمرونهم بالمعروف،وينهونهم عن المنكر،ويذكرونهم بما يصلحهم،ويعظونهم بالحكمة والموعظة الحسنة،ويرغبونهم بالتقوى والعمل الصالح،ويرهبوهم من الكفر والإثم والمعصية والعدوان.

ولا ينبغي للعالم أو المرشد أن يجالس قوما يخوضون في باطلهم،ويرتكبون الذنوب والآثام،غافلين عن الله،ساهين عن عقابه وانتقامه،مغترين بحلمه وإمهاله،إلا كما يجالس الطبيب المريض،والعالم المعلم الغافل الجاهل،بمقدار الحاجة وبما يحقق الدعوة والإصلاح،كما لا ينبغي للمسلم أن يجلس مجلسا تنتهك فيه حرمات الله،وتدور فيه كؤوس اللهو واللغو والمنكرات،يشاركهم فيها أكلهم وشربهم،وضحكهم وبطالتهم،غير مبال بما ينزل على مجلسهم هذا من غضب الله ومقته..

عَنْ عَبْدِ اللهِ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: لَمَّا وَقَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْمَعَاصِي،نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ،فَلَمْ يَنْتَهُوا،فَجَالَسُوهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ،قَالَ يَزِيدُ:أَحْسِبُهُ قَالَ:وَأَسْوَاقِهِمْ،وَوَاكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ،فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ،وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ،وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ،ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ،وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُتَّكِئًا،فَجَلَسَ،فَقَالَ:لاَ،وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ،حَتَّى تَأْطُرُوهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا." [1] ."

واليوم قل أن نرى مجلسا يذكر فيه الله والدار الآخرة،بعد أن عمت مجالس الغفلة والمنكرات،وفشت مجالس الغيبة والنميمة والطعن في الأعراض،والانغماس في المحرمات.

(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (2 / 47) (3713) حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت