فهرس الكتاب

الصفحة 491 من 670

فضل حسن الخلق:

قال الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (4) سورة القلم

وإنك -أيها الرسول- لعلى خلق عظيم،وهو ما اشتمل عليه القرآن من مكارم الأخلاق؛ فقد كان امتثال القرآن سجية له يأتمر بأمره،وينتهي عما ينهى عنه.

إن إطاقة محمد - صلى الله عليه وسلم - لتلقي هذه الكلمة،من هذا المصدر،وهو ثابت،لا ينسحق تحت ضغطها الهائل - ولو أنها ثناء - ولا تتأرجح شخصيته تحت وقعها وتضطرب .. تلقيه لها في طمأنينة وفي تماسك وفي توازن .. هو ذاته دليل على عظمة شخصيته فوق كل دليل.ولقد رويت عن عظمة خلقه في السيرة،وعلى لسان أصحابه روايات منوعة كثيرة. وكان واقع سيرته أعظم شهادة من كل ما روي عنه. ولكن هذه الكلمة أعظم بدلالتها من كل شيء آخر. أعظم بصدورها عن العلي الكبير.وأعظم بتلقي محمد لها وهو يعلم من هو العلي الكبير،وبقائه بعدها ثابتا راسخا مطمئنا. لا يتكبر على العباد،ولا ينتفخ،ولا يتعاظم،وهو الذي سمع ما سمع من العلي الكبير! واللّه أعلم حيث يجعل رسالته. وما كان إلا محمد - صلى الله عليه وسلم - بعظمة نفسه هذه - من يحمل هذه الرسالة الأخيرة بكل عظمتها الكونية الكبرى. فيكون كفئا لها،كما يكون صورة حية منها.إن هذه الرسالة من الكمال والجمال،والعظمة والشمول،والصدق والحق،بحيث لا يحملها إلا الرجل الذي يثني عليه اللّه هذا الثناء. فتطيق شخصيته كذلك تلقي هذا الثناء. في تماسك وفي توازن،وفي طمأنينة.طمأنينة القلب الكبير الذي يسع حقيقة تلك الرسالة وحقيقة هذا الثناء العظيم. ثم يتلقى - بعد ذلك - عتاب ربه له ومؤاخذته إياه على بعض تصرفاته،بذات التماسك وذات التوازن وذات الطمأنينة. ويعلن هذه كما يعلن تلك،لا يكتم من هذه شيئا ولا تلك .. وهو هو في كلتا الحالتين النبي الكريم. والعبد الطائع. والمبلغ الأمين.إن حقيقة هذه النفس من حقيقة هذه الرسالة. وإن عظمة هذه النفس من عظمة هذه الرسالة. وإن الحقيقة المحمدية كالحقيقة الإسلامية لأبعد من مدى أي مجهر يملكه بشر. وقصارى ما يملكه راصد لعظمة هذه الحقيقة المزدوجة أن يراها ولا يحدد مداها. وأن يشير إلى مسارها الكوني دون أن يحدد هذا المسار! ومرة أخرى أجد نفسي مشدودا للوقوف إلى جوار الدلالة الضخمة لتلقي رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لهذه الكلمة من ربه،وهو ثابت راسخ متوازن مطمئن الكيان .. لقد كان - وهو بشر - يثني على أحد أصحابه،فيهتز كيان صاحبه هذا وأصحابه من وقع هذا الثناء العظيم. وهو بشر وصاحبه يعلم أنه بشر. وأصحابه يدركون أنه بشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت