عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ،قَالَ:كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ،فَأَتَاهُ رَجُلٌ،فَقَالَ:يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ،إِنِّي أَتَيْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ فِي حَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ:أَمَا جِئْتَ لِحَاجَةٍ،أَمَا جِئْتَ لِتِجَارَةٍ،أَمَا جِئْتَ إِلاَّ لِهَذَا الْحَدِيثِ ؟ قَالَ:نَعَمْ،قَالَ:فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،يَقُولُ:مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا،سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ،وَالْمَلاَئِكَةُ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ،وَإِنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ،وَمَنْ فِي الأَرْضِ،وَالْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ،وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ،كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ،إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ،إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا،وَأَوْرَثُوا الْعِلْمَ،فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ."ابن حبان [1] "
فالعلماء ورثة الأنبياء،والأنبياء لم يورثوا من عرض الدنيا متاعا زائلا،ولا مالا فائنا،وإنما ورّثوا دين الله عز وجل القائم على العلم والحكمة،ومعرفة آيات الله في خلقه،وتزكية النفس وصلتها بخالقها،وتحليتها بمكارم الأخلاق.
وقد ورثوا عن سيدنا نوح صبره على تبليغ رسالة الله،وتحمله إيذاء قومه وإعراضهم عنه في سبيل الله،وهو قائم بالدعوة إلى الله مئات السنين دون كلل ولا ملل،ولا ضجر ولا قنوط.
وورثوا عن سيدنا إبراهيم شجاعته وصموده أمام أعداء الله،وتضحيته بالحياة واستهانته بالموت في سبيل إعلاء كلمة الله.
وورثوا عن سيدنا موسى قوته وأمانته،وعفته ونزاهته،ودعوته لإنقاذ قومه من الظلم والاستعباد،ورفقه بهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور،ومن عبادة الطواغيت إلى عبادة الله الواحد القهار.
وورثوا عن سيدنا عيسى روحانيته وقربه من الله،وذكره وصلته الدائمة بالله،وصدقه ورحمته،وسمونفسه ورفعتها ومحبتها لجميع خلق الله.
وورثوا عن خاتم النبيين سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعليهم أجمعين الخلق العظيم،والرحمة للعالمين،والصفوة من الشرع والدين القويم.
ورثوا عنه صبره وحلمه،وجهاده ونضاله،وعرض نفسه ودعوته على الناس في سبيل نشر دين الله،مقتحما الأخطار،غير مبال بتهديد ولا إيذاء ولا استنكار،غير آبه بإغراء بمنصب أو مال أو
(1) - صحيح ابن حبان - (1 / 289) (88) صحيح
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانٌ وَاضِحٌ أَنَّ الْعُلَمَاءَ الَّذِينَ لَهُمُ الْفَضْلُ الَّذِي ذَكَرْنَا ، هُمُ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ عِلْمَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْعُلُومِ. أَلاَ تَرَاهُ يَقُولُ: الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ وَالأَنْبِيَاءُ لَمْ يُوَرِّثُوا إِلاَّ الْعِلْمَ ، وَعِلْمُ نَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم - سُنَّتُهُ ، فَمَنْ تَعَرَّى عَنْ مَعْرِفَتِهَا لَمْ يَكُنْ مِنْ وَرَثَةِ الأَنْبِيَاءِ.