الحج آخر أركان الإسلام،وهو عبادة روحية وجسدية ومالية،وهو رحلة يتحمل فيها المسلم ترك الوطن والتعرض للمشاق وبذل المال،وترك العيال،انقطاعا إلى الله،وهجرة إلى رضاه وعملا على تكفير ذنوبه وفتح صفحة جديدة من صفحات البر والإيمان.
إنها تلبية نداء لزيارة بيته المقدّس،حيث ذكريات بناء البيت،والتضحية والفداء ومواقف النبي - صلى الله عليه وسلم - والمكان الذي انبعث منه صوت الحق ونبع منه ينبوع الإيمان.
قال تعالى: { وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) } الحج.
نَادِ النَّاسَ دَاعِيًا إِيَّاهُم إِلى الحَجِّ إِلَى هَذا البَيْتِ الذي أَمَرْنَاكَ بِبِنَائِهِ،يَأْتُوكَ مُشَاةً عَلَى أَرْجُلِهِمْ ( رِجَالًا ) ،مِنْ أَطْرَافِ الأَرْضِ،وَيَأْتُوكَ رَاكِينَ ( رُكْبَانًا ) عَلَى الخَيْلِ والجِمَالِ المُضَمَّرَةِ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ بَعِيدٍ .
( وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ:إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَالَ:يَا رَبِّ وَكَيْفَ أَبَلِّغُ النَّاسَ وَصَوْتِي لاَ يَنْفُذُهُم؟ فَقَالَ اللهُ تعالى: نَادِ وَعَلَيْنَا البَلاَغُ،فَقَامَ فَنَادَى،يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَبَّكُم اتَّخَذَ بَيْتً فَحُجُّوهُ.وَلِهَذَا يَرُدُّ مَنْ يَحُجُّ البَيْتَ عَلَى نِدَاءِ اللهِ قَائِلًا:( لَبِّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ) .
ثُمَّ لِيُزِيلُوا مَا عَلِقَ بِهِمْ مَنَ الأوْسَاخِ أَثْنَاءَ السَّفَرِ والإٍِحْرَامِ فَيْحْلِقُوا الشَّعْرَ،وَيُقَلِّمُوا الأظَافِرَ،وَيُخَفِّفُوا شَعَرَ الوَجْهِ والرَّأسِ ( لِيَقْضُوا تَفَثَهُم ) ،وَلْيَتَحَلَّلُوا مِنْ إِحْرَامِهِمْ وَلْيُوفُوا مَا نَذَرُوهُ مِنَ أَعْمَالِ البرِّ،وَلْيَطُوفُوا طَوافَ الوَدَاعٍِ بالبَيْتِ الحَرَامِ ( البَيْتِ العَتِيقِ ) ،الذي هُوَ أَقْدَمُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلْعِبَادَةِ .
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُم - ثُمَّ لْيُزِيلُوا بِالتَّحَلُّلِ مَا عَلِقَ بِهِمْ مِنْ أَوْسَاخٍ،أو ثُمَّ لُيؤدُّوا مَنَاسِكَهُمْ . [1]
في موسم الحج هذا انقطاع إلى العبادة بأنواعها المختلفة وصرف أكثر الأوقات بين صلاة وذكر وقراءة للقرآن وتهليل وتكبير وتحميد وتمجيد ودعاء وابتهال فيصفو القلب ويطمئن الفؤاد وينشرح الصدر وتجلى الهموم وتغسل الأدران وتقبل التوبة ويستجاب الدعاء.
ومن جمال الحج النظر إلى الكعبة المشرّفة بيت الله الحرام فإنه عبادة،فعَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"خَمْسٌ مِنَ الْعِبَادَةِ"ذَكَرَ إِحْدَاهُنَّ قَالَ:"وَالنَّظَرُ إِلَى الْكَعْبَةِ عِبَادَةٌ" [2]
وعَنْ عَبْدِ اللهِ،قَالَ:"النَّظَرُ إِلَى الْوَالِدِ عِبَادَةٌ،وَالنَّظَرُ إِلَى الْكَعْبَةِ عِبَادَةٌ،وَالنَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ عِبَادَةٌ،وَالنَّظَرُ إِلَى أَخِيكَ حُبًّا لَهُ فِي اللهِ عِبَادَةٌ" [3]
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 2512)
(2) - أخبار مكة للفاكهي - (1 / 200) (328 ) حسن مرسل
(3) - شعب الإيمان - (10 / 267) (7476 ) حسن