للمسلم مع نفسه آداب يلزمها بها،ويجاهدها عليها،ويقوّمها ويعتني بها،ويهتم بتزكيتها،ويسارع إلى تهذيبها ومعالجتها،وضبطها ومحاسبتها،ويلتزم استكمال فضائلها في ظاهرها وباطنها.. قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10) } الشمس.
بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَلْهَمَ النُّفُوسَ مَعْرَفَةَ الخَيْرِ وَالشَّرِّ،ذَكَرَ مَا تَلْقَاهُ النُّفُوسُ مِنَ الجَزَاءِ عَلَى فِعْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا،فَقَالَ تعالى: مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ بِطَاعَةِ اللهِ،وَنَمَّاهَا وَطَهَّرَهَا مِنَ الأخْلاَقِ الدِّنِيئَةِ وَالرَّاذَائِلِ،فَازَ وَأَفْلَحَ ( وَهَذَا جَوَابُ القَسَمِ ) .
أَمَّا مَنْ أَخْفَى فَضَائِلَ نَفْسِهِ،وَأَمَاتَ اسْتِعْدَادَهَا لِلْخَيْرِ،بِفِعْلِ المَعَاصِي،وَاجْتِرَاحِ السَّيِّئَاتِ،وَمُجَانَبَةِ الخَيْرِ وَالبِرِّ وَالقُرُبَاتِ،فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ.وَقَدْ حَذَفَ اللهُ تَعَالَى المُقْسَمَ عَلَيْهِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْ نَظَائِرِهِ،فَكَأَنَّهُ قَالَ:وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا.. لَينْزِلَنَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِنْكُمْ مَا نَزَلَ بِثَمُودَ . [1]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: حُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ،وَحُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ. ابن حبان [2] .
وقال المتنبي:
ولم أر في عيوب الناس عيبا ... ... كنقص القادرين على التمام
وقال البوصيري:
والنفس كالطفل إن تهمله شبَّ على ... ... حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
وجاهد النفس والشيطان واعصهما ... ... ... وإن هما محضاك النصح فاتهم
فاصرف هواها وحاذر أن توليه ... ... ... إن الهوى ما تولى يصم أو يصم
وراعها وهي في الأعمال سائمة ... ... وإن هي استحلت المرعى فلا تسم
وكم حسنت لذة للمرء قاتلة ... ... من حيث لم يدر أن السم في الدسم
وقد اعتنى أهل التربية بالنفس،ووقفوا على أمراضها وأداوئها،وبينوا طرق معالجتها من لهوها وبطالتها،وشهواتها وأهوائها،فوضعوا لها أسباب تربيتها،وبينوا طرق شفائها،وسبل مجاهدتها،وكيفية تقويمها وتأديبها حتى تصبح كما ورد في الحديث الشريف: عَنْ عبدِ الله بن عَمرو بنِ العاص رضي الله عنهما،قال:قالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: (( لا يُؤمِنُ أَحدُكُم حتّى يكونَ هَواهُ تَبَعًا لِما جِئتُ بِهِ ) ) [3] .
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 5929)
(2) - صحيح ابن حبان - (2 / 495) (719) صحيح
(3) - الأربعون للفسوي - (8) والسنة لابن أبي عاصم - (14) وجامع العلوم والحكم محقق - (43 / 1) حسن