فهرس الكتاب

الصفحة 624 من 670

الأمة العظيمة تكون قوية في أفراحها قوية في أحزانها،لا تضعفها المصائب ولا تزعزعها النوائب كالجبال الراسيات لا تنال منها الأحداث إلا بمثل ما تنال من الجبال الرياح الشديدة.

لهذا كله رسم لنا الإسلام منهجًا في النوازل ينبغي أن نتبع خطاه ولا نبتعد عنه قيد شعرة إذا كنا من ذوي الإيمان الصحيح والعزيمة القوية الجديرة بالحياة.

بل وبين لنا أن الابتلاء لا بد منه،فقال تعالى: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) } [آل عمران:185،186]

يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِأَنَّ كُلَّ نَفْسٍ سَتَذُوقُ طَعْمَ المَوْتِ،وَتُحِسُّ بِمُفَارَقَةِ الرُّوحِ لِلْجَسَدِ.وَاسْتَدَّلَ بَعْضُهُمْ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلَى أنَّ الأَرْوَاحَ لاَ تَمُوتُ بِمَوتِ البَدَنِ،لأنَّ الذَّوْقَ شُعُورٌ لاَ يُحِسُ بِهِ إلاَّ الحَيُّ،وَهُوَ تَعَالَى وُحْدَهُ الحَيُّ الذِي لاَ يَمُوتُ.وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُحْشَرُ النَّاسُ إلى الله،وَتُوفَّى كُلُّ نَفْسٍ أجُورَهَا عَمَّا اكْتَسَبَتْهُ مِنْ أَعْمَالٍ،فَمِنْ جُنِّبَ النَّارَ،وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ،فَقَدْ فَازَ كُلَّ الفَوْزِ .وَالحَيَاةُ الدُّنْيَا لَيْسَتْ إلاَّ مَتَاعًا تَافِهًا زَائِلًا،صَاحِبُهُ مَغْرُورٌ مَخْدُوعٌ،وَهُوَ مَتَاعٌ مَتْرُوكٌ يُوشِكُ أنْ يَضْمَحِلَّ عَنْ أهْلِهِ.يُسَلّي اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - ،وَيَقُولُ لَهُ:إنَّهُ وَأصْحَابَهُ سَيَلْقَوْنَ مِنَ الكُفْارِ أَذًى كَثِيرًا فِي النَّفْسِ وَالمَالِ،كَمَا لَقُوهُ مِنْهُمْ مِنْ أَذًى يَوْمَ أحُدٍ،وَعَلَى المُؤْمِنِينَ أنْ يُوَطِّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِ،إذْ لاَ بُدَّ مِنْ أنْ يَبْتَلِيَ اللهُ المُؤْمِنَ فِي شَيءٍ مِنْ مَالِهِ،أوْ نَفْسِهِ أو وَلَدِهِ أوْ أَهْلِهِ...وَابْتَلاءُ المُؤْمِنِ يَكُونُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ،فَإنْ كَانَ فِيهِ صَلاَبَةٌ فِي دِينِهِ زِيدَ فِي بَلاَئِهِ.وَنَبَّهَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمُ وَالمُؤْمِنِينَ عِنْدَ مَقْدَمِهِمْ إلَى المَدِينَةِ ( وَقَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ ) إلَى أَنَّهُمْ سَيَسْمَعُونَ مِنَ اليَهُودِ وَمِنَ المُشْرِكِينَ أَذًى كَثِيرًا:مِنَ التَّقَوُّلِ وَالإِرْجَافِ،وَنَقْضِ العُهُودِ وَبَثِّ الشَّائِعَاتِ،وَمُحَاوَلَةِ الإِيذَاءِ...وَيَأمر اللهُ نَبِيَّهُ وَالمُؤْمِنينَ بِالصَّفْحِ وَالصَّبْرِ وَالعَفْوِ حَتَّى يُفَرِّجَ اللهُ،وَلا يَصْبِرُ عَلَى احْتِمَالِ ذَلِكَ إلاَّ أولُو العَزْمِ الأَقْويَاءُ . [1]

إنه لا بد من استقرار هذه الحقيقة في النفس:حقيقة أن الحياة في هذه الأرض موقوتة،محدودة بأجل ثم تأتي نهايتها حتما .. يموت الصالحون ويموت الطالحون. يموت المجاهدون ويموت القاعدون. يموت المستعلون بالعقيدة ويموت المستذلون للعبيد. يموت الشجعان الذين يأبون الضيم،ويموت الجبناء الحريصون على الحياة بأي ثمن .. يموت ذوو الاهتمامات الكبيرة والأهداف العالية،ويموت التافهون الذين يعيشون فقط للمتاع الرخيص.الكل يموت .. «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» .. كل نفس تذوق

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 478)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت