فآمن مكر الله بالله جاهل ... ... ... وخائف مكر الله بالله عارف
قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) } [فاطر:27،28] .
يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى العِبَادَ إِلى قُدْرَتِهِ العَظِيمَةِ عَلَى خَلقِ الأَشياءِ المُخْتَلِفَةِ،المُتَنَوِّعَةِ المُظَاهِرِ وَالأِشْكالِ،مِنَ الشَّيءِ الوَاحِدِ،فَيَقُولُ تَعَالى إِنَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَطَرًا فَأَرْوَى بِهِ الأَرْضَ،فَأَخْرَجَتْ ثِمَارًا مُخْتَلِفَةَ الألوانِ والطُّعُومِ والرُّوَائِحِ،وَإِنَّه خَلَقَ الجِبَالَ كَذَلِكَ مُخْتَلِفَةَ الأَلْوَانِ،فَمِنْهَا الأَبْيَضُ وَمِنْهَا الأَحْمَرُ وَمِنْهَا الأَسْوَدُ الغِرْبِيْبُ .وَجَعَلَ اللهُ تَعَالى النَّاسَ والدَّوابَّ والأَنْعَامَ مُخْتَلِفِي الأَلوَانِ والأَشْكَالِ في الحِنْسِ الوَاحِدِ،فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ،وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاس لاَ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ حَقَّ المَعْرِفَةِ،والذِي يَعْرِفُهُ منْهُمْ هُم العَالِمُونَ بأَسْرَارِ الكَوْنِ،العَارِفُونَ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللهِ تَعَالى،فَهَؤُلاءِ هُمُ الذِينَ يَخْشَوْنَ اللهَ،وَيتَّقُونَ عِقَابَهُ،فَيَعْمَلُونَ بِطَاعَتِهِ.واللهُ عَزيزٌ فِي انتِقَامِهِ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ،غَفُورٌ لِذُنُوبِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَأَطَاعَهُ . [1]
4-الترفع عن سفاسف الدنيا،ولغوها ولهوها ولعبها،وبهرجها وزخارفها وشهواتها الرخيصة. قال ذو النون،وصف لي رجل بالمغرب وذكر لي من حكمته وكلامه ما حملني على لقائه،فرحلت إليه إلى المغرب فأقمت على بابه أربعين صباحًا على أن يخرج من منزله إلى المسجد ويقعد،فكان يخرج وقت كل صلاة يصلي،ويرجع كالواله لا يكلم أحدًا فقلت له يومًا: يا هذا إني مقيم ها هنا منذ أربعين صباحًا لا أراك تكلمني. فقال لي: يا هذا لساني سبع إن أطلقته أكلني. فقلت له: عظني رحمك الله بموعظة أحفظها عنك. قال: وتفعل؟ قلت: نعم إن شاء الله،قال: لا تحب الدنيا وعد الفقر والغنى والبلاء من الله نعمة،والمنع من الله عطاء،والوحدة مع الله أنسًا،والذل عزًا والطاعة حرفة والتوكل معاشًا والله تعالى لكل شديدة عدة.
ثم مكث بعد ذلك شهرًا لا يكلمني،فقلت له: رحمك الله إني أريد الرجوع إلى بلدي فإن رأيت أن تزيدني في الموعظة فقال: اعلم أن الزاهد في الدنيا قوته ما وجد ومسكنه حيث أدرك ولباسه ما ستر الخلوة مجلسه،والقرآن حديثه،والله الجبار العزيز أنيسه والذكر رفيقه،والصمت جنته،والخوف سجيته،والشوق مطيته،والنصيحة نهمته والصبر وساده،والصديقون إخوانه والحكمة كلامه،والعقل دليله،والجوع أدمه والبكاء دأبه،والله عز وجل عدته. قلت بما تتبين الزيادة من النقصان؟ قال: عند المحاسبة للنفوس." [2] ".
قال تعالى: { وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) } طه.
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 3568)
(2) - صفة الصفوة - (2 / 4)