فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 670

عليها؛ لأنه لا عِلْم لك ببواطنها،وكأنه يلتمس له عُذْرًا على عدم صَبْره معه؛ لذلك يقول: { وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا } .فلا تحزن لأني قُلت: لن تستطيع معي صبرًا؛ لأن التصرفات التي ستعترض عليها ليس لك خُبر بها،وكيف تصبر على شيء لا عِلْمَ لك به؟

ونلحظ في هذا الحوار بين موسى والخضر ـ عليهما السلام ـ أدبَ الحوار واختلافَ الرأي بين طريقتين: طريقة الأحكام الظاهرية،وطريقة ما خلف الأحكام الظاهرية،وأن كلًا منهما يقبَل رأْيَ الآخر ويحترمه ولا يعترض عليه أو يُنكره،كما نرى أصحاب المذاهب المختلفة ينكر بعضهم على بعض،بل ويُكفِّر بعضهم بعضًا،فإذا رأَوْا مثلًا عبدًا مَنْ عباد الله اختاره الله بشيء من الفيوضات،فكانت له طريقة وأتباع نرى من ينكر عليه،وربما وصل الأمر إلى الشتائم والتجريح،بل والتكفير.

لقد تجلى في قول الخضر: { وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا } [الكهف: 68] مظهر من مظاهر أدب المعلّم مع المتعلِّم،حيث احترم رأيه،والتمس له العُذْر إن اعترض عليه،فلكُلٍّ منهما مذهبه الخاص،ولا يحتج بمذهب على مذهب آخَر.

فماذا قال المتعلم بعد أن استمع إلى هذه الشروط؟ { قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَآءَ اللَّهُ.. } .أي: أنا قابل لشروطك أيُّها المعلم فاطمئن،فلن أجادلك ولن أعارضك في شيء. وقدّم المشيئة فقال: { إِن شَآءَ اللَّهُ.. } [الكهف: 69] ليستميله إليه ويُحنَّن قلبه عليه { صَابِرًا.. } [الكهف: 69] على ما تفعل مهما كان { وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْرًا } [الكهف: 69] وهكذا جعل نفسه مأمورًا،فالمعلم آمرًا،والمتعلّم مأمور.

وهذا تأكيد من الخضر لموسى،وبيان للطريقة التي يجب اتباعها في مصاحبته: إنْ تبعتني فلا تسألْني حتى أخبرك،وكأنه يُعلِّمه أدب تناول العلم والصبر عليه،وعدم العجلة لمعرفة كل أمر من الأمور على حِدة. [1]

القيام بحقوق المعلم على أكمل وجه،وقد جمعها الكثير من السلف الصالح نختار منها ما يلي:

وقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ:"مِنْ حَقِّ الْعَالِمِ عَلَيْكَ أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى الْقَوْمِ عَامَّةً وَتَخُصَّهُ دُونَهُمْ بِالتَّحِيَّةِ،وَأَنْ تَجْلِسَ أَمَامَهُ،وَلَا تُشِيرَنَّ عِنْدَهُ بِيَدِكَ،وَلَا تَغْمِزَنَّ بِعَيْنَيْكَ،وَلَا تَقُولَنَّ:قَالَ فُلَانٌ خِلَافًا لِقَوْلِهِ،وَلَا تَغْتَابَنَّ عِنْدَهُ أَحَدًا،وَلَا تُسَارَّ فِي مَجْلِسِهِ،وَلَا تَأْخُذَ بِثَوْبِهِ،وَلَا تُلِحَّ عَلَيْهِ إِذَا كَسِلَ،وَلَا تُعْرِضَ مِنْ طُولِ صُحْبَتِهِ ؛ فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّخْلَةِ تَنْتَظِرُ مَتَى يَسْقُطُ عَلَيْكَ مِنْهَا شَيْءٌ،وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ الْعَالِمَ لَأَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ،وَإِذَا مَاتَ الْعَالِمُ انْثَلَمَتْ فِي الْإِسْلَامِ ثُلْمَةٌ لَا يَسُدُّهَا شَيْءٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" [2] .

(1) - تفسير الشعراوي - ( / 2190)

(2) - الْجَامِعُ لِأَخْلَاقِ الرَّاوِي وَآدَابِ السَّامِعِ لِلْخَطِيِبِ الْبَغْدَادِيِّ (347 ) فيه انقطاع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت