فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 670

أفضل منه،وكأن الحق سبحانه يعطينا حافزًا للعمل والرُّقي،فالتنافس المقصود ليس تنافس الغِلِّ والحقد والكراهية،بل تنافس مَنْ يحب للناس ما يحب لنفسه،تنافس مَنْ لا يشمت لفشل الآخرين.

وقد يجد الإنسان هذا الحافز للمنافسة حتى في عدوه،ونحن نرى الكثير منا يغضب وتُثَار حفيظته إنْ كان له عدو،ويراه مصدر شرٍّ وأذى،ويتوقع منه المكروه باستمرار.

وهو مع ذلك لو استغل حكمة الله في إيجاد هذا العدو لاتنفع به انتفاعًا لا يجده في الصديق،لأن صديقك قد يُنافقك أو يُداهنك أو يخدعك.

أما عدوك فهو لك بالمرصاد،يتتبع سقطاتك،ويبحث عن عيوبك،وينتظر منك كَبْوة ليذيعها ويُسمّع بك،فيحملك هذا من عدوك على الاستقامة والبعد عما يشين.

ومن ناحية أخرى تخاف أن يسبقك إلى الخير،فتجتهد أنت في الخير حتى لا يسبقك إليه.

وما أجمل ما قاله الشاعر في هذا المعنى:

عِدَايَ لَهُمْ فَضْلٌ عليَّ ومِنَّةٌ فَلاَ أبعَدَ الرحْمَنُ عَنّي الأعَادِياَ

هُمُو بحثُوا عَنْ زَلّتي فَاجْتنبْتُها وهُمْ نَافَسُوني فاكْتَسبْتُ المعَالِيا

وهكذا نجد لكل شيء في منهج الله فائدة،حتى في الأعداء،ونجد في هذا التنافس المثمر الذي يُثري حركة الحياة دليلًا على أن منهج السماء هو الأقوم والأنسب لتنظيم حركة الحياة.

أيضًا لكي يعيش المجتمع آمنًا سالمًا لا بُدّ له من قانون يحفظ توازنه،قانون يحمي الضعيف من بطش القوي،فجاء منهج الله تعالى لِيُقنّن لكل جريمة عقوبتها،ويضمن لصاحب الحق حَقّه،وبعد ذلك ترك الباب مفتوحًا للعفو والتسامح بين الناس.

ثم حذَّر القوي أنْ تُطغيه قوته،وتدعوه إلى ظلم الضعيف،وذكّره أن قوته ليست ذاتية فيه،بل هي عَرَضٌ سوف يزول وسوف تتبدل قوته في يوم ما إلى ضَعْف يحتاج معه إلى العون والمساعدة والحماية.

وكأن الحق تبارك وتعالى يقول لنا: أنا أحمي الضعيف من قوتك الآن،لأحمي ضعفك من قوة غيرك غدًا.أليس في هذا كله ما هو أقوم؟

ونقف على جانب آخر من جوانب هذه القوامة لمنهج الله في مجال الإنفاق،وتصرُّف المرء في ماله،والمتأمل في هذا المنهج الأقوم يجده يختار لنا طريقًا وسطًا قاصدًا لا تبذيرَ فيه ولا تقتير.

ولاشك أن الإنسان بطبعه يُحب أن يُثري حياته،وأن يرتقي بها،ويتمتع بترفها،ولا يُتاح له ذلك إنْ كان مُبذّرًا لا يُبقي من دخله على شيء،بل لا بُدّ له من الاعتدال في الإنفاق حتى يجد في جعبته ما يمكنه أن يُثري حياته ويرتقي بها ويُوفّر لأسرته كماليات الحياة،فضلًا عن ضرورياتها.

جاء هذا المنهج الأقوم في قول الحق تبارك وتعالى: { وَالَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } [الفرقان: 67]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت