فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 670

بل إنه جعل إحدى علامات المنافقين أنهم يذكرون الله تعالى ولكنه الذكر القليل الذي لا يثمر محبة،ولا يورث خشية،ولا يحدث تقوى ولا إيمانا قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلًا} (142) سورة النساء.

يَعْتَقِدُ المُنَافِقُونَ،جَهْلًا مِنْهُمْ وَسَفْهًا،أنَّ أُمُورَهُمْ رَاجَتْ عِنْدَ النَّاسِ لِمَا أَظْهَرُوهُ لَهُمْ مِنَ الإِيمَانِ وَأَبْطَنُوهُ مِنَ الكُفْرِ،وَأنَّ نِفَقاَهُمْ سَيَرُوجُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ أَيْضًا،كَمَا رَاجَ عِنْدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا،وَقَدَ جَهَلَ هَؤُلاءِ المَخْدُوعُونَ أنَّ اللهَ عَالِمٌ بِمَسْلَكِهِمْ وَسَرَائِرِهِمْ،وَهُوَ يَخْدَعُهُمْ إذْ يَسْتَدْرِجُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ،وَضَلاَلِهِمْ،وَيَخْدَعُهُمْ عَنِ الحَقِّ وَالوُصُولِ إلَيْهِ،فِي الدُّنْيَا،وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ [1]

وإذا كان الإيمان شجرة باسقة جذورها العقيدة الصحيحة بالله،وفروعها العمل الصالح النافع،وثمارها الأخلاق الكريمة الطيبة،فإن ماءها الذي تسقى به والذي فيه استمرار حياتها إنما هو ذكر الله تعالى وعَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى مُوسَى - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « مَثَلُ الَّذِى يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِى لاَ يَذْكُرُ مَثَلُ الْحَىِّ وَالْمَيِّتِ » رواه البخاري [2] .

وعَنْ كَعْبِ الأَحْبَارِ،قَالَ:"مَا مِنْ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ،وَلَوْلا ذَلِكَ مَا أَمَرَ النَّاسَ بِالصَّلاةِ وَالْقِتَالِ،أَلا تَرَوْنَ أَنَّهُ قَدْ أَمَرَ النَّاسَ بِالذِّكْرِ عِنْدَ الْقِتَالِ ؟ فَقَالَ:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٍ فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"". [3]

ومن بين شرائع الإسلام الحقة انتقى منها معلمها الأول أنفعها وأكثرها ضرورة للتمسك به،والثبات عليه،فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رضى الله عنه أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَىَّ فَأَخْبِرْنِى بِشَىْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ. قَالَ « لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ » . رواه الترمذي) [4] . كيف لا وذاكر الله تعالى جليس ربه الذي يفيض عليه من علمه وحكمته ومراقبته بحسب صلته به وقوة توجهه إليه،قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} (152) سورة البقرة.

يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَذْكُرُوهُ فِيمَا افْتَرَضَهُ عَلَيهِمْ مِنْ طَاعَةٍ وَحَمْدٍ وَتَسْبِيحٍ وَقِرَاءةِ قُرْآنٍ،لِيَذْكُرَهُمْ فِيمَا أُوْجَبَ لَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ الكَرِيْمَةَ مِنْ إِدَامَةِ النِّعَمِ وَالفَضْلِ،وَلِيُجْزِلَ لَهُمُ الثَّوَابَ،وَيُفِيضَ عَلَيهمِ الخَيْرَاتِ ( أَيِ اذكُرُونِي بِطَاعَتي،أَذْكُرْكُمْ بِمَغْفِرَتي ) ،وَأَمَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِالشُّكْرِ لَهُ،وَوَعَدَ الشَّاكِرِينَ بِمَزِيدٍ مِنَ الخَيْرِ وَالبَرَكَاتِ،وَنَهَاهُمْ عَنِ الكُفْرِ بِالنِّعْمَةِ . [5]

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 635)

(2) - صحيح البخارى- المكنز - (6407 )

(3) - تفسير ابن أبي حاتم - (7 / 107) حسن مقطوع

(4) - سنن الترمذى- المكنز - (3702 ) قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ

(5) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 159)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت