فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 670

وَهؤلاَءِ الذِينَ يَهْدِيهِمُ اللهُ هُمُ المُؤْمِنُونَ،الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ،وَتَطيبُ قُلُوبُهُمْ،وَتَهْدَأُ إِلَى جَانِبِ اللهِ،وَتَسْكُنُ عِنْدَ ذِكْرِهِ،وَتَرْضَى بِهِ مَوْلًى وَنَاصِرًا.وَفِي الحَقِيقَةِ إِنَّ القُلُوبَ المُؤْمِنَةَ تَطْمَئِنُّ وَتَسْكُنُ وَتَهْدَأُ عِنْدَ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى . [1]

ومعنى الاطمئنان سكونُ القلب واستقراره وأُنْسُه إلى عقيدة لا تطفو إلى العقل ليناقشها من جديد.

ونعلم أن الإنسانَ له حواسٌّ إدراكية يستقبل بها المُحسَّات؛ وله عقل يأخذ هذه الأشياء ويهضمها؛ بعد إدراكها؛ ويفحصها جيدًا،ويتلمس مدى صِدْقها أو كَذِبها؛ ويستخرج من كل ذلك قضية واضحة يُبقِيها في قلبه لتصبح عقيدة،لأنها وصلت إلى مرحلة الوجدان المحب لاختيار المحبوب.

وهكذا تمرُّ العقيدة بعدة مراحلَ؛ فهي أولًا إدراك حِسِّي؛ ثم مرحلة التفكّر العقلي؛ ثم مرحلة الاستجلاء للحقيقة؛ ثم الاستقرار في القلب لتصبح عقيدة.ولذلك يقول سبحانه: { وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ... } [الرعد: 28]

فاطمئنان القلب هو النتيجة للإيمان بالعقيدة؛ وقد يمرُّ على القلب بعضٌ من الأغيار التي تزلزل الإيمان،ونقول لمن تمرُّ به تلك الهواجس من الأغيار: أنت لم تُعْطِ الربوبية حقها؛ لأنك أنت الملوم في أي شيء يَنَالُكَ.

فلو أحسنتَ استقبال القدر فيما يمرُّ بك من أحداث،لَعلِمْتَ تقصيرك فيما لك فيه دَخْل بأيِّ حادث وقع عليك نتيجة لعملك،أما مَا وقع عليك ولا دَخْل لك فيه؛ فهذا من أمر القَدَر الذي أراده الحقُّ لك لحكمة قد لا تعلمها،وهي خير لك.

إذن: استقبال القدر إن كان من خارج النفس فهو لك،وإن كان من داخل النفس فهو عليك. ولو قُمْتَ بإحصاء ما ينفعك من وقوع القدر عليك لَوجدتَّه أكثرَ بكثير مما سَلَبه منك. والمَثَل هو الشاب الذي استذكر دروسه واستعدَّ للامتحان؛ لكن مرضًا داهمه قبل الامتحان ومنعه من أدائه.

هذا الشاب فعلَ ما عليه؛ وشاءَ الله أن ينزل عليه هذا القدر لحكمة ما؛ كأنْ يمنع عنه حسَد جيرانه؛ أو حسدَ مَنْ يكرهون أًمه أو أباه،أو يحميه من الغرور والفتنة في أنه مُعتمِد على الأسباب لا على المُسبِّب. أو تأخير مرادك أمام مطلوب الله يكون خيرًا.

وهكذا فَعَلى الإنسان المؤمن أن يكون موصولًا بالمُسبِّب الأعلى،وأنْ يتوكل عليه سبحانه وحده،وأن يعلم أنْ التوكل على الله يعني أن تعمل الجوارح،وأنْ تتوكَّل القلوب؛ لأن التوكل عملٌ قلبي،وليس عملَ القوالب.

ولينتبه كُلٌّ مِنّا إلى أن الله قد يُغيب الأسباب كي لا نغتر بها،وبذلك يعتدل إيمانك به؛ ويعتدل إيمان غيرك.

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 1736)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت