فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 670

حول إلا حوله .. لا إرادة إلا إرادته .. لا ملجأ إلا إليه .. وعندئذ تلتقي الروح بالحقيقة الواحدة التي يقوم عليها تصور صحيح ..

والنص القرآني هنا يصل بالنفس إلى هذه النقطة على الأفق: «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا:إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» ..

إنا للّه .. كلنا .. كل ما فينا .. كل كياننا وذاتيتنا .. للّه .. وإليه المرجع والمآب في كل أمر وفي كل مصير .. التسليم .. التسليم المطلق .. تسليم الالتجاء الأخير المنبثق من الالتقاء وجها لوجه بالحقيقة الوحيدة،وبالتصور الصحيح.

هؤلاء هم الصابرون .. الذين يبلغهم الرسول الكريم بالبشرى من المنعم الجليل ..

وهؤلاء هم الذين يعلن المنعم الجليل مكانهم عنده جزاء الصبر الجميل: «أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ،وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» ..صلوات من ربهم .. يرفعهم بها إلى المشاركة في نصيب نبيه الذي يصلي عليه هو وملائكته سبحانه .. وهو مقام كريم .. ورحمة .. وشهادة من اللّه بأنهم هم المهتدون ..وكل أمر من هذه هائل عظيم .. [1]

وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ،قَالَ:كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ،فَجَاءَ رَسُولُ امْرَأَةٍ مِنْ بَنَاتِهِ،فقَالَ:يَا رَسُولَ اللهِ،أَرْسَلَتْ إِلَيْكَ ابْنَتُكَ أَنْ تَأْتِيَهَا،فَإِنَّ صَبِيًّا لَهَا فِي الْمَوْتِ،فقَالَ:ائْتِهَا فَقُلْ لَهَا:إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ،وَلَهُ مَا أَعْطَى،وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى،فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ،قَالَ:فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ رَجَعَ،فقَالَ:يَا رَسُولَ اللهِ،إِنَّهَا تُقْسِمُ عَلَيْكَ إِلاَّ جِئْتَهَا،فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،وَقُمْنَا مَعَهُ رَهْطٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَدَخَلْنَا،فَرُفِعَ إِلَيْهِ الصَّبِيُّ،وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ فِي صَدْرِهِ،فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ،فقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ:مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ:رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ،وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ."متفق عليه [2] ."

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ،وَشَقَّ الْجُيُوبَ،وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ » [3] .

ترك الابتسام عند التعزية وتجنب الضحك أو اللغو بباطل الكلام أو قلة الاكتراث فكلها من علامات قسوة القلب،ومن لم يتعظ بالموت لم يتعظ بشيء. فعن أبي الدَّرْدَاءِ أنه كَانَ إِذَا رَأَى الْجَنَازَةَ قَالَ:اغْدِي فَإِنَّا رَائِحُونَ،وَرُوحِي فَإِنَّا غَادُونَ،مَوْعِظَةٌ بَلِيغَةٌ وَغَفْلَةٌ سَرِيعَةٌ،كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا،يَذْهَبُ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ،وَيَبْقَى الآخِرُ لاَ حُلْمَ لَهُ." [4] "

(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 145)

(2) - صحيح البخارى- المكنز - (7377 ) وصحيح مسلم- المكنز - (2174) وصحيح ابن حبان - (2 / 208) (461)

(3) - صحيح البخارى- المكنز - (1294 )

(4) - الزهد أبي داود 275 - (1 / 222) (261) حسن موقوف

الغدو: السير والذهاب والتبكير أول النهار - الرواح: نقيض الصباح وهو اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل -الغدو: السير والذهاب والتبكير أول النهار والمراد أننا نلحق بنفس المصير في وقته المحتوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت