الرُّسُل الكِرَامِ،الذين صَبَروا على ما ابْتَلاهُمْ بِهِ اللهُ،وأَخْبتُوا لِرَبِّهم،فَنَالُوا رِضَاهُ .يَذْكُرُ اللهُ تَعالى قِصَّةَ يونُسَ عليهِ السلامُ ( وهوَ ذو النُّونِ أيْ صاحبُ الحُوت ) ،وكانَ اللهُ قَدْ بَعَثَهُ نَبِيًا إلى أَهْل نينَوَى فَدَعَاهُمْ إلى عِبَادةِ اللهِ وَحدَهُ فَأَبَوْا،وَتَمَادَوْا في كُفْرِهم،فَخَرَجَ يُونُسُ مِنْ بَيْنِهِم مُغَاضِبًا لَهُمْ،وأَتْذَرَهُمْ بأنَّ العَذَابَ وَاقِعٌُ بِهِمْ بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّام،فَلما تَحَقَّقُوا مِنْ ذَلِكَ،وَعِلمُوا أنَّ النبيَّ لا يَكْذِبُ،خًَرَجُوا مِنَ البلدِ بأطْفَالِهم وأنْعامِهم ومَوَاشِيهِم،ثُمَّ تَضَرَّعُوا إلى اللهِ تَعَالى،وَجأَرُوا إليهِ بالدُّعَاءِ،فَرَفَعَ اللهُ عَنْهُمْ العَذابَ،وصَرَفَهُ عَنْهُم،كَمَا جَاءَ في آيةٍ أُخْرى .أمَّا يونسُ فإنَّه تَرَكَ قَوْمَه مُغَاضِبًا لَهُم،وذَهَبَ فَرَكِبَ في سَفِينَةٍ فَاضْطَرَبَتْ وَخافَ مَنْ فِيها مِنْ غَرَقِها،فاقْتَرعُوا على رَجُل يُلقُونهُ مِنْ بينِهم في الماءِ يَتَخفَّفُونَ مِنهُ،فوقَعَتِ القُرْعَةُ على يُونُسَ،فَأَبَوْا أنْ يُلْقُوهُ،ثُمَّ أعادُوا القُرْعَةَ فَوَقَعَتْ علَيْهِ،فَأَبَوْا،ثمَّ أعَادُوا للمرةِ الثّالثةِ فَوَقَعَتْ عليه،فَتَجَرَّدَ يُونُسُ مِنْ ثِيَابِهِ،وأَلْقَى بِنَفْسِهِ في المَاءِ،فالْتَقَمَهُ الحُوتُ،ولِذَلِكَ سُمِّيَ بصَاحِبِ الحُوتِ ( ذُو النُّونِ ) .وكانَ يُونسُ يَظُنُّ أنَّ الله لَنْ يُضَيِّقَ عليْهِ في بَطْنِ الحُوتِ، ( أو أنهُ تَعالى لنْ يَقْدِرَ عليه أَنْ يَكُونَ فِي بَطْن الحُوتِ ) فَكَانَ في بَطْنِ الحوتِ في ظُلْمَةٍ،وفي أعْمَاقِ البَحْرِ في ظُلمَةٍ،وفي ظَلاَمِ الليلِ في ظُلْمَةٍ،ولذلك قَالَ تَعالى: { فنادى فِي الظلمات } ودَعاَ رَبَّهُ قائلًا:لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَك إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.يُخْبِرُ اللهُ تعالى عَنْ زَكَريَّا عَليهِ السَّلامُ حينما تَقَدَّمَتْ بِهِ السِّنُ،وطَلبَ مِنَ اللهِ أَنْ يَهَبَهُ وَلَدًا يَرثُ النُبُوَّةَ من بَعْدِهِ،فَنَادَى رَبَّه نِدَاءً خَفِيًّا عَنْ قَوْمِهِ،وقَالَ:رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا بِلا وَلَدٍ،وَلاَ وَارِثٍ،يَقُومُ بَعْدِي في النَّاسِ،وأَنْتَ يَا رَبِّ خَيْرُ مَنْ وَرِثَ العِبَادَ ( وفي هذا الدُّعَاءِ إشَارَةٌ إِلى قِيَامِ السَّاعةِ،وهَلاَكِ البشَرِ جَمِيعًا،وَبَقَاءِ اللهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ . [1]
فاستجبنا له دعاءه ووهبنا له على الكبر ابنه يحيى،وجعلنا زوجته صالحة في أخلاقها وصالحة للحمل والولادة بعد أن كانت عاقرًا،إنهم كانوا يبادرون إلى كل خير،ويدعوننا راغبين فيما عندنا،خائفين من عقوبتنا،وكانوا لنا خاضعين متواضعين. [2]
إن هذه أمتكم. أمة الأنبياء. أمة واحدة. تدين بعقيدة واحدة. وتنهج نهجا واحدا. هو الاتجاه إلى اللّه دون سواه.أمة واحدة في الأرض،ورب واحد في السماء. لا إله غيره ولا معبود إلا إياه.أمة واحدة وفق سنة واحدة،تشهد بالإرادة الواحدة في الأرض والسماء. [3]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلاَ يَقُولُ:مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا،فَقَدْ آذَانِي،وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ،وَمَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ،فَإِذَا
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 2484)
(2) - التفسير الميسر - (6 / 6)
(3) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2395)