فهرس الكتاب

الصفحة 563 من 670

الأبواب - وهو حدث ضخم وخلل مخيف - كذلك بدا أن الخطة التي نفذت لم تكن - في ظاهرها - أسلم الخطط من الناحية العسكرية. إذ أنها كانت مخالفة «للسوابق» في الدفاع عن المدينة - كما قال عبد اللّه ابن أبي - وقد اتبع المسلمون عكسها في غزوة الأحزاب التالية،فبقوا فعلا في المدينة،وأقاموا الخندق،ولم يخرجوا للقاء العدو. منتفعين بالدرس الذي تلقوه في أحد! ولم يكن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يجهل النتائج الخطيرة التي تنتظر الصف المسلم من جراء الخروج.فقد كان لديه الإرهاص من رؤياه الصادقة،التي رآها،والتي يعرف مدى صدقها. وقد تأولها قتيلا من أهل بيته،وقتلى من صحابته،وتأول المدينة درعا حصينة .. وكان من حقه أن يلغي ما استقر عليه الأمر نتيجة للشورى .. ولكنه أمضاها وهو يدرك ما وراءها من الآلام والخسائر والتضحيات. لأن إقرار المبدأ،وتعليم الجماعة،وتربية الأمة،أكبر من الخسائر الوقتية.ولقد كان من حق القيادة النبوية أن تنبذ مبدأ الشورى كله بعد المعركة. أمام ما أحدثته من انقسام في الصفوف في أحرج الظروف وأمام النتائج المريرة التي انتهت إليها المعركة! ولكن الإسلام كان ينشئ أمة،ويربيها،ويعدها لقيادة البشرية. وكان اللّه يعلم أن خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة،أن تربى بالشورى وأن تدرب على حمل التبعة،وأن تخطئ - مهما يكن الخطأ جسيما وذا نتائج مريرة - لتعرف كيف تصحح خطأها،وكيف تحتمل تبعات رأيها وتصرفها. فهي لا تتعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ ..والخسائر لا تهم إذا كانت الحصيلة هي إنشاء الأمة المدربة المدركة المقدرة للتبعة. واختصار الأخطاء والعثرات والخسائر في حياة الأمة ليس فيها شيء من الكسب لها،إذا كانت نتيجته أن تظل هذه الأمة قاصرة كالطفل تحت الوصاية. إنها في هذه الحالة تتقي خسائر مادية وتحقق مكاسب مادية. ولكنها تخسر نفسها،وتخسر وجودها،وتخسر تربيتها،وتخسر تدريبها على الحياة الواقعية. كالطفل الذي يمنع من مزاولة المشي - مثلا - لتوفير العثرات والخبطات،أو توفير الحذاء! كان الإسلام ينشئ أمة ويربيها،ويعدها للقيادة الراشدة. فلم يكن بد أن يحقق لهذه الأمة رشدها،ويرفع عنها الوصاية في حركات حياتها العملية الواقعية،كي تدرب عليها في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبإشرافه. ولو كان وجود القيادة الراشدة يمنع الشورى،ويمنع تدريب الأمة عليها تدريبا عمليا واقعيا في أخطر الشؤون - كمعركة أحد التي قد تقرر مصير الأمة المسلمة نهائيا،وهي أمة ناشئة تحيط بها العداوات والأخطار من كل جانب - ويحل للقيادة أن تستقل بالأمر وله كل هذه الخطورة - لو كان وجود القيادة الراشدة في الأمة يكفي ويسد مسد مزاولة الشورى في أخطر الشؤون،لكان وجود محمد - صلى الله عليه وسلم - ومعه الوحي من اللّه سبحانه وتعالى - كافيا لحرمان الجماعة المسلمة يومها من حق الشورى! - وبخاصة على ضوء النتائج المريرة التي صاحبتها في ضلل الملابسات الخطيرة لنشأة الأمة المسلمية. ولكن وجود محمد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت