فهرس الكتاب

الصفحة 572 من 670

الأمين،ولا كان نسبه وهو من أوسط بيت في قريش. ما كان هذا كله يعدل في نظرهم أن يكون سيد قبيلة ذا سلطان! وكبر عليهم أن ينتهي سلطانهم الديني بانتهاء عهد الوثنية والأصنام والأساطير التي يقوم عليها هذا السلطان وتعتمد عليها مصالحهم الاقتصادية والشخصية. فتشبثوا بالشرك وكبر عليهم التوحيد الخالص الواضح الذي دعاهم إليه الرسول الكريم.

وكبر عليهم أن يقال:إن آباءهم الذين ماتوا على الشرك ماتوا على ضلالة وعلى جاهلية فتشبثوا بالحماقة،وأخذتهم العزة بالإثم،واختاروا أن يلقوا بأنفسهم إلى الجحيم،على أن يوصم آباؤهم بأنهم ماتوا ضالين.والقرآن يعقب على موقفهم هذا بأن اللّه هو الذي يصطفي ويختار من يشاء وأنه كذلك يهدي إليه من يرغب في كنفه،ويتوب إلى ظله من الشاردين: «اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ» ..وقد اجتبى محمدا - صلى الله عليه وسلم - للرسالة. وهو يفتح الطريق لمن ينيب إليه ويثوب.

ثم يعود إلى موقف أتباع الرسل،الذين جاءوا قومهم بدين واحد،فتفرق أتباعهم شيعا وأحزابا: « وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ - بَغْيًا بَيْنَهُمْ - وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ،وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ» ..

فهم لم يتفرقوا عن جهل ولم يتفرقوا لأنهم لا يعرفون الأصل الواحد الذي يربطهم،ويربط رسلهم ومعتقداتهم. إنما تفرقوا بعد ما جاءهم العلم. تفرقوا بغيا بينهم وحسدا وظلما للحقيقة ولأنفسهم سواء. تفرقوا تحت تأثير الأهواء الجائرة،والشهوات الباغية. تفرقوا غير مستندين إلى سبب من العقيدة الصحيحة والمنهج القويم. ولو أخلصوا لعقيدتهم،واتبعوا منهجهم ما تفرقوا.

ولقد كانوا يستحقون أن يأخذهم اللّه أخذا عاجلا،جزاء بغيهم وظلمهم في هذا التفرق والتفريق. ولكن كلمة سبقت من اللّه لحكمة أرادها،بإمهالهم إلى أجل مسمى «وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» .. فحق الحق وبطل الباطل وانتهى الأمر في هذه الحياة الدنيا. ولكنهم مؤجلون إلى يوم الوقت المعلوم.

فأما الأجيال التي ورثت الكتاب من بعد أولئك الذين تفرقوا وفرقوا من أتباع كل نبي،فقد تلقوا عقيدتهم وكتابهم بغير يقين جازم إذ كانت الخلافات السابقة مثارا لعدم الجزم بشي ء،وللشك والغموض والحيرة بين شتى المذاهب والاختلافات: «وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ» ..

وما هكذا تكون العقيدة. فالعقيدة هي الصخرة الصلبة التي يقف عليها المؤمن،فتميد الأرض من حوله وهو ثابت راسخ القدمين فوق الصخرة الصلبة التي لا تميد. والعقيدة هي النجم الهادي الثابت على الأفق يتجه إليه المؤمن وسط الأنواء والزوابع،فلا يضل ولا يحيد. فأما حين تصبح العقيدة ذاتها موضع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت