وَقَدْ تَرَكْت أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مِنْ أَشْبَاهِ هَذَا،وَأَنَا أُحِبُّ تَوْفِيقَ اللَّهِ إيَّاكَ وَطُولَ بَقَائِك ؛ لِمَا أَرْجُو لِلنَّاسِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ،وَمَا أَخَافُ مِنْ الضَّيْعَةِ إذَا ذَهَبَ مِثْلُك مَعَ اسْتِئْنَاسِي بِمَكَانِك،وَإِنْ نَأَتْ الدَّارُ ؛ فَهَذِهِ مَنْزِلَتُك عِنْدِي وَرَأْيِي فِيك فَاسْتَيْقِنْهُ،وَلَا تَتْرُكْ الْكِتَابَ إلَيَّ بِخَبَرِك وَحَالِك وَحَالِ وَلَدِك وَأَهْلِك وَحَاجَةٍ إنْ كَانَتْ لَك أَوْ لِأَحَدٍ يُوصَلُ بِك،فَإِنِّي أُسَرُّ بِذَلِكَ،كَتَبْت إلَيْك وَنَحْنُ صَالِحُونَ مُعَافُونَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ،نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنَا وَإِيَّاكُمْ شُكْرَ مَا أَوْلَانَا وَتَمَامَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْنَا،وَالسَّلَامُ عَلَيْك وَرَحْمَةُ اللَّهِ [1] .
وإن من المؤسف اليوم أن نجد من بين المشتغلين بالدعوة إلى الإسلام من يشهر سيف الذم والتجريح لكل من يخالفه،متهما إياه بقلة الدين،أو باتباع الهوى أو بالابتداع والانحراف،أو بالنفاق،وربما بالكفر!
وكثير من هؤلاء لا يقتصرون في الحكم على الظواهر،بل يتهمون النيات والسرائر،التي لا يعلم حقيقة ما فيها إلا الله سبحانه،كأنما شقوا عن قلوب العباد واطلعوا على دخائلها!
ولم يكد يسلم من ألسنة هؤلاء أحد من القدامى،أو المحدثين،أو المعاصرين ممن لا يقول بقولهم في قضايا معينة،حتى وجدنا من يسب بعض الأئمة الأربعة في الفقه،ومن يسب بعض أئمة السلوك والزهد.
وهذه من المزالق التي يتورط فيها كثير من المنتسبين إلى التيار الديني: الطعن والتجريح،فيمن يخالف وجهتهم،أو مذهبهم في الاعتقاد أو الفقه أو السلوك.
فتجد بعض المنتمين إلى مذهب يطعنون في المذهب الآخر وإمامه.
ومن ينتمون إلى الحديث أو السلف يطعنون في الفقهاء كالأئمة الأربعة وكبار أتباعهم ممن لا يشك أحد في علمهم واجتهادهم ودينهم وورعهم.
أو يطعنون في كبار الصوفية الذين أثنى عليهم الربانيون والعلماء المحققون من خيار الأمة،وربما طعنوا في الصوفية جميعا.
وكذلك قد يطعنون في كبار علماء الأشاعرة ويجرحونهم تجريحا منكرا،وهم من لهم منزلة وفضلا في الذب عن هذا الدين،وعن الكتاب والسُّنَّة.
وانظر إلى موقف الإمام ابن القيم من شيخ الإسلام الهروي الأنصاري صاحب كتاب (منازل السائرين إلى مقامات"إياك نعبد وإياك نستعين") الذي شرحه ابن القيم بكتابه (مدارج السالكين) فكثيرا ما خالف الشارح (صاحب المدارج) المؤلف (صاحب المنازل) وبين خطأه فيما ذهب
(1) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 3 / ص 262) وتاريخ ابن معين - الدوري - (2 / 373) والمعرفة والتاريخ - (1 / 167)