فهرس الكتاب

الصفحة 649 من 670

ومن الخطأ الذي يقع فيه بعض المتدينين: أنهم لا يسمحون للشخص الذي يثقون بمنزلته في العلم أو في الدين،بأي زلة تزلها قدمه في الفكر أو في السلوك،وتراهم بمنزلة واحدة يهدمون جهاد إنسان وجهوده طوال عمره،ويهيلون التراب على تاريخه كله.

3-البعد عن المراء واللدد في الخصومة:

وعامل آخر يقرب بين أصحاب الرأي المختلف،وهو: البعد عن المراء المذموم واللدد في الخصومة.

فالإسلام ـ وإن أمر بالجدال بالتي هي أحسن ـ ذم المراء،الذي يراد منه الغلبة على الخصم بأي طريق،دون التزام بمنطق ولا خضوع لميزان بين الطرفين.

وهذا ما ذم الله به الممارين من أهل الشرك والكفر،بمثل قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ(8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) [الحج/8-9] ).

ومن هنا جاء في الحديث ذم المراء،والترغيب في البعد عنه.فعَن أَبِى أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِى رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَن تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِى وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَن تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِى أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَن حَسَّنَ خُلُقَهُ » [1] .

وعَن أَبِى أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أُوتُوا الْجَدَلَ » . ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هَذِهِ الآيَةَ {وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَل هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} (58) سورة الزخرف [2] .

وهذا أمر ملاحظ: أن القوم إذا حرموا التوفيق،تركوا العمل،وغرقوا في الجدل،وبخاصة أن هذا موافق لطبيعة الإنسان التي لم يهذبها الإيمان {ووَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} (54) سورة الكهف.

ونحن نشاهد على الساحة الإسلامية أناسا لا هم لهم إلا الجدل في كل شيء وليس لديهم أدنى استعداد لأن يعدلوا عن أي رأي من آرائهم،وإنما يريدون للآخرين أن يتبعوهم فيما يقولون. فهم على حق دائما،وغيرهم على باطل أبدا. منهم من يجادل في كلمات أعطاها اصطلاحا خاصا،خالفه فيه غيره،ويريد أن يلزم الآخرين برأيه،مع أن علماءنا قالوا: لا مشاحة في الاصطلاح.

ومنهم من يذم التعصب للمذاهب،وهو يقيم مذهبا جديدا،يقاتل الآخرين عليه!

ومن يحرم التقليد ويطلب من الناس أن يقلدوه! أو يمنع تقليد القدامى وهو يقلد بعض المعاصرين!

4-الحوار بالتي هي أحسن:

ومن الدعائم الأساسية في أدب الاختلاف: الحوار بالحسنى،وإذا استخدمنا التعبير القرآني قلنا: الجدال بالتي هي أحسن،وهو ما أمر الله تعالى به في كتابه حين قال: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ

(1) - سنن أبى داود (4802 ) صحيح لغيره -الربض: حوالى الجنة وأطرافها

(2) - سنن الترمذى (3562 ) قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت