أ- قوله -تعالى-:"وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره"، وقوله:"وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره"فنَهَت الآيتان عن الجلوس معهم حال إعلانهم بالكفر والاستهزاء، ولم تمنع من ذلك مطلقًا"حتى يخوضوا في حديث غيره"وكذلك المشارك في هذه القنوات هو بمشاركته يرفع الخوض واللهو واللغو ليُحِلَّ محله الدعوة للخير والحق . قال الشيخ ابن سعدي في تفسير آية الأنعام"أمر الله بالإعراض عنهم حال خوضهم بالباطل حتى يكون البحث والخوض في كلام غيره فإذا كان في كلام غيره زال النهي المذكور، وهذا النهي والتحريم لمن جلس معهم ولم يستعمل تقوى الله؛ لأنه كان يشاركهم في القول والعمل المحرم، أو يسكت عنهم، فإن استعمل تقوى الله بأن كان يأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر، ويترتب على ذلك زوال الشر أو تخفيفه فهذا ليس عليه حرج ولا إثم"انتهى مختصرًا .
وما أروع قوله - رحمه الله - زوال الشر أو تخفيفه، فإن تخفيف الشر أو مكاثرته بقدر من الخير مكسب لا يستهان بالظفر به .
ب- وقال -تعالى- عن نوح -عليه السلام-:"رب إني دعوت قومي ليلًا ونهارًا*ثم إني دعوتهم جهارًا، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارًا". إن هذا الجهد الدؤوب الذي لا ينقطع، ولا يكل ولا يمل، ولا يفتر ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا لا يكون إلا بإصرار على المواجهة لهم، ومتابعتهم حيث ذهبوا، والجلوس إليهم حيث اجتمعوا، ولو كان ذلك عند آلهتهم ودًّا، وسواعًا، ويغوث، ويعوق، ونَسْرًا.