المدرسة الفريدة ورؤوسهم تطاول السماء عظمة وعزة، وظهورهم تنوء بالحمل الثقيل الذي حملوه من أمانة الدعوة والتبليغ.
ب- يبدو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتصر على هذه المدرسة في مكة فقد كان يعلم أصحابه في بيته وفي منازلهم وفي الطرقات وفي رحلاته للدعوة فقد جاء في السيرة أنه كان يسمر كل ليلة (تقريبا) في منزل صديقه أبي بكر الصديق، وهذا ابن مسعود يأخذ السبع الطوال من القرآن من فم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من عادته صلى الله عليه وسلم أن يعلم بعض أصحابه ويده في أيديهم ثم يسمع منهم بعد أن يقرأ عليهم.
ولكن بعد أن تحول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كانت فرصة التعليم أكبر بل تحولت حياة النبي كلها تقريبا إلى تعليم، وكان المسجد أفضل مكان معدٍ لهذا ولم يكن أيضا المكان الوحيد.
ج- وإذا طالعنا منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأسلوبه في التعليم وجدنا أنه أكمل أسلوب عرفته الأرض للآن فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتمد في التعليم على الصحبة، وهذه الصحبة تقتضي المحبة والملازمة وهكذا كان أصحابه معه رضوان الله عليهم أجمعين وعلى قدر هذه الصحبة كانت الإفادة والتلقي، ولم يكن يتكلف في درسه شيئا أصلا لا طريقة للجلوس ولا زياً خاصا بحضور الدرس، ولا ميعادا معينا، فقد كان صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه وهو جالس أحيانا وهو واقف أحيانا وهو مضطجع أخرى كما جاء في الحديث: [ألا أدلكم على أكبر الكبائر؟ قلنا بلى يا رسول الله، قال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين. وكان مضطجعا فجلس فقال: ألا وشهادة الزور ألا وشهادة الزور ألا وشهادة الزور..] الحديث، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ درسه مضطجعا وهنا تجاوز في قولنا بدأ درسه لأن دروسه لم يكن لها نقطة بدء بالمعنى المعروف الآن.