فهرس الكتاب
ذلك أنه لما كانت الثقافة بالتعريف هي نماذج وأساليب الحياة الاجتماعية كلها - العائلي والاقتصادي والديني والأخلاقي والتربوي والجمالي والسياسي واللغوي والعلمي - خصوصًا المعبرة منها عن روح الأمة ونفسية الشعب ، وبما أن القومية قوامها وحدة الفكر واللغة والجنس والأماني المشتركة بنمو وعي سياسي أو (أيديولوجية) ولاء الفرد للوطن نتيجة الشعور بالانتماء ووحدة المصير ومسئولية اشتراك الجميع في تحقيق تلك الأهداف ؛ فاللغة هي أكثر عناصر الثقافة ثباتًا إذا قيست بعوامل الجنس والدين والمصير المشترك التي تزخر الساحة الثقافية بتعدديتها وتنوعها ليضج المُعتَرك الثقافي عند مناقشة أي قضية أو مشروع يراد به النهوض بالأمة إلى غاياتها ( بالنظر في حاضرها لاستلهام ماضيها واستشراف مستقبلها ) بخلافات تسمية الحركة تجديدًا أو تحديثًا ، صحوة أو بعثا أو تنويرا ، عقلانية أو علمانية … وبالنظر إلى متغيرات العصر ومتطلبات السياسة القومية والمحافظة على الهوية الثقافية تعم الاتهامات بالرجعية أو التقدمية ، الأصولية أو العلمانية ، التراثية أو العصرنة ، وفي الانفتاح على ثقافات الغير: الندية أم التبعية … بل تسود مهاترات الوصف بالظلامية الانغلاقية في مواجهة الانفتاحية التنويرية ، النفطية العروبية ، الاستثمارية ، الشرق أوسطية (لتمرير الصلح مع إسرائيل) … فلكل شيء في حياتنا ثقافته - على نحو ما أن"ثقافة الفساد أو الجنس في البيت الأبيض ليست غريبة على المجتمع الأمريكي" (الأهرام 4 فبراير 98) ، وأن ثقافة البطالة تنتشر في أوروبا ( الأهرام 8 فبراير 98) . لكن أهم ثنائيات الثقافة - في عصر الإرهاب والعنف المتطرف الذي نعيشه - هي الصراع بين الرَّجعية والتنوير، الأصولية والحداثة وما بعد الحداثة .