فهرس الكتاب
ويقول دعاة العامية إن الفن يقوم على محاكاة الواقع ، ومحاكاته في الأزجال والقصص وحوار المسرحيات إنما يتم - بدقة - عن طريق التعبير بالعامية التى تحاكى الواقع في المجتمع المصرى محاكاة تامة في أحاديث أهله . والقول بأن المحاكاة في الأدب تستلزم أن ينقل الواقع فيه بلغته العامية قول غير صحيح ، لأن المحاكاة في الأدب والفن لا تقتضى دقة النقل فيهما عن الواقع بحيث يكون العمل الفنى أو الأدبى مطابقا له تمام المطابقة ، بل إن اكتمال الدقة في المطابقة فيهما قد يفسدهما،إذا قد يتحولان إلى ما يشبه النقل في التصوير الفوتوغرافى إذ هذا النقل الآلى لا يعد فنا ، فالفن دائما تحرير في الواقع على نحو ما يعرف في لوحات الرسامين وألحان الموسيقيين،لأن الفنان دائما - ومثله الأديب - لا ينقل الواقع نقلا أصم وإنما يستوعبه ويتمثل روحه ويضفى عليه من خياله وذهنه ما نتمثله به ونجد فيه متاع فنيا أو أدبيا ، وكأنما يرفع عنه حجابا كان يغلقه ويستره عن أبصار الناس العاديين ، والفنان بذلك - ومثله الأديب - كأنما يصنع الواقع من جديد. ليس عمل الأديب - إذن - نقل الواقع وإنما صناعته صناعة جديدة ، تحاكيه بصورة أقوى ، وما قوتها إلا ما يضيفه إليها الأديب من مخيلته وفكره وأدواته الأدبية ، فالزجال - مثلا - حين يحاول نقل واقع شعورى أو حدث اجتماعى يبرزه في عبارات سائغة موقعه بنغم يؤثر به في قارئه بحيث يصبح عملا فنيا تاما ، ومثله الوشّاح صانع الموشحات، غير أنه يتفوق عليه من حيث الفن الخالص، لأنه ينظم موشحه بالفصحى التى طالما بث فيها الوشاحون والشعراء على مدى أربعة عشر قرنا من السمات والصفات الجمالية ما يعوز الزجل إلى حد كبير. وما يقال في الزجل والموشحة يقال مثله في القصة الفصيحة والعامية ، وقد يُظنُّ أن العامية تستحب في القصة بأكثر من الفصحى ، لأنها تتناول جوانب الحياة في المجتمع وهى في متناول الأفواه والشفاه ولا مشقه فيها ولا