فهرس الكتاب
لا يزال موضوع الحوار بين تيارات الثقافة العربية المعاصرة مطروحًا بقوة على صعيد حياتنا الثقافية بعد مضي أكثر من قرن على بروزه. وتبدو اليوم أمامنا أخطار التقصير في الوفاء بمتطلباته، متجلية بصورة حادة لم يسبق لها مثيل، في أزمات تفجرت في بعض أنحاء وطننا العربي الكبير فعل انعدام الحوار بين التيارات الثقافية فعله في تكوينها وتأجيجها وهناك مجال لعمل صالح لمعالجة هذه الأزمات ولقيام أمتنا بإسهام حضاري في عالمنا من خلال العناية بهذا الحوار وتكثيفه، والوصول إلى جوامع أفكار وأفكار جامعة يلتقي عليها العاملون، وينطلقون منها إلى الإصلاح.
يتداعى إلى خاطري وأنا أتأمل في هذا الموضوع الحيوي شريط سينمائي شاهدته قبل أربعة عقود من السنين مأخوذ عن مسرحية ظهرت آنذاك في
بريطانيا اسمها"موائد منفصلة"، تدور أحداثها في نُزل بمنتجع حل فيه نزلاء ، كانت تجمعهم قاعة الطعام، فيجلسون إلى موائد منفصلة، كل مجموعة منهم أو فرد يعيش عالمه الخاص، لا يتواصل مع الآخرين. ثم تطرأ أحداث وتطورات تلزمهم بالتواصل وتحثهم عليه، فإذا بالموائد في قاعة الطعام تصبح متصلة.
تشبيه لحال التيارات الثقافية في وطننا فيما يخص علاقتها بعضها ببعض، أنها تسكن جزرًا في يم ، لا جسور بينها . وقد طرحه قبل حوالي عقدين من السنين المفكر العربي زكي نجيب محمود . ودعا إليه في مقاله يومذاك - الذي بقي راسخًا في ذاكرتي- إلى أن نقيم جسورًا بين تلك الجزر. وحين تداعى إلى خاطري هذا التشبيه رجعت إلى بعض كتب زكي نجيب محمود ، ومنها كتاباه"هموم"
المثقفين"و"هذا العصر وثقافته"، فوجدته قد عاود معالجة حال هذه التيارات والدعوة إلى الحوار بينها مرات."