فهرس الكتاب

الصفحة 1622 من 4462

نزداد فهمًا لهذه التيارات الثقافية الثلاثة حين نستحضر نشأتها مع بداية الغزو الاستعماري الغربي لدائرتنا الحضارية ووطننا العربي، وما طرأ عليها من أحداث على مدى قرنين. فالسياسة الاستعمارية عمدت إلى التركيز على حقل التربية والتعليم وأسست مدارس التبشير وعلمت طلاب هذه المدارس اللغات الأوربية وما اصطلحت على تسميته بحضارة الدولة الغربية المعنية، فرنسية كانت أو ألمانية أو إيطالية أو بريطانية . وهكذا خرجت طلابا مهيئين بحكم ما تعلموه لأن يكونوا انغماسيين. وقوى هذا الاتجاه نظام البعثات إلى بلاد الغرب. وناصبت السياسة الاستعمارية حين احتلت البلاد وتسلطت معاهد العلم القائمة العداء، فتهيأ طلابها بحكم وطأة هذا التسلط لأن يقع بعضهم في أسر الانكماش. واتسعت الهوة بين التيارين مع ممارسات المستعمر الهادفة لذلك. وحدث في الربع الثاني من القرن العشرين أن شهد تيار الانغماس بروز مدرستين فيه بفعل الخلاف الذي احتدم في الغرب بين"الليبرالية الرأسمالية"و"الاشتراكية الماركسية". وكان"تيار الاستجابة الفاعلة"الثالث يشق طريقه أثناء ذلك، ويجذب إليه أفرادًا متميزين من التيارين، من بينهم مبعوثون عبروا مرحلتي"العكوف"التي تجاوزوا أثناءها مجتمعهم إلى مرحلة"العودة"إلى مجتمعهم والتلاحم معه.

حين نستحضر تاريخ أمتنا في القرنين الأخيرين ، نرى بوضوح الأثر الكبير للواقع الثقافي العربي بتياراته الثلاثة على مختلف جوانب الحياة في وطننا العربي. وقد بان هذا الأثر على حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية والعقيدية؛ وذلك بفعل ما للثقافة من فعل. وهكذا رأينا كلا من هذه الجوانب موزعًا بين توجهات انكماشية وأخرى انغماسية وثالثة مستجيبة فاعلة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت